عدد الضغطات : 2,105عدد الضغطات : 1,521عدد الضغطات : 1,590عدد الضغطات : 972عدد الضغطات : 733
عدد الضغطات : 1,457عدد الضغطات : 726عدد الضغطات : 931عدد الضغطات : 287عدد الضغطات : 852

الإهداءات



إضافة رد
قديم 02-28-2011, 01:04 PM رقم المشاركة : 1
معلومات العضو

الصورة الرمزية المعارف
إحصائية العضو






المعارف is on a distinguished roadالمعارف is on a distinguished roadالمعارف is on a distinguished road
 

المعارف غير متواجد حالياً

 


عدد الترشيحات : 122
عدد المواضيع المرشحة : 84
عدد مرات الفوز : 0
المنتدى : منتدى الكتب الاسلامية
7 عصر الظهور تأليف علي كوراني

<div align="center"><div align="center"><font color="blue"> عصر الظهور تأليف علي كوراني
[ 2 ]
الناشر: مركز النشر مكتب الاعلام الاسلامي الطبعة: الاولى تاريخ النشر: شعبان 1408
[ 3 ]
عصر الظهور تأليف علي كوراني الرحمن الرحيم ونريد ان من على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم ائمه ونجع%u







رد مع اقتباس
قديم 02-28-2011, 01:47 PM رقم المشاركة : 2
معلومات العضو

الصورة الرمزية المعارف
إحصائية العضو






المعارف is on a distinguished roadالمعارف is on a distinguished roadالمعارف is on a distinguished road
 

المعارف غير متواجد حالياً

 


عدد الترشيحات : 122
عدد المواضيع المرشحة : 84
عدد مرات الفوز : 0
كاتب الموضوع : المعارف المنتدى : منتدى الكتب الاسلامية
افتراضي

[ 101 ]
والاستعماريين. لا يصح أن يتخذ دليلا على نفي تحركاته في عصر الظهور، ما دامت تملك النصوص والقرائن على كونها فيه. الصراع على السلطة بين الاصهب والابقع عن الامام الباقر قال " فتلك السنة فيها اختلاف كثير في كل أرض من ناحية المغرب، فأول أرض تخرب الشام، يختلفون على ثلاث رايات: راية الاصهب، وراية الابقع، وراية السفياني " البحار ج 52 ص 212. ويبدو أن هذا الزعيم الابقع أي المبقع الوجه، أسبق في رئاسة بلاد الشام من منافسه الاصهب أي الاصفر الوجه. لان الاحاديث تذكر أن ثورة الاصهب تكون من خارج العاصمة أو المركز، وأنه يفشل في السيطرة عليها. فقد يكون الابقع صاحب السلطة الاصلي، أو يكون صاحب ثورة تنجح إلى حدما، فينافسه الاصهب ويثور عليه من خارج العاصمة، فلا يستطيع أحدهما أن يحقق نصرا حاسما على الاخر، فيستغل السفياني هذه الفرصة ويقوم بثورته من خارج العاصمة أيضا فيكتسحهما معا. ومن المحتمل أن يكون الاصهب غير مسلم، لان بعض الاحاديث وصفته بالعلج، وهو وصف للكفار عادة. كما يبدو المرواني الذي ورد ذكره في مصادر الدرجة الاولى، مثل غيبة النعمائي، هو الابقع نفسه، وليس زعيما منافسا للسفياني. أما الاتجاه السياسي للابقع والاصهب فيظهر من أحاديث ذمها أنهما معاديان للاسلام، ومواليان لاعدائه من القوى الكافرة. وقد يفهم من الحديث التالي أن الاصهب موال للروس (الترك) " فإذا قام العلج الاصهب، وعسر عليه القلب (أي المركز أو العاصمة) لم يلبث حتى يقتل، فهناك
[ 102 ]
الملك للترك " إلزام الناصب ج 2 ص 204، وإذا صحت الرواية فتكون فترة قصيرة يغلب فيها النفوذ الروسي بسبب ضعف الابقع الموالي للغرب، وعندها يخطط الغربيون واليهود لثورة حليفهم السفياني لاعادة سيطرتهم على البلاد، كما سيأتي. وعلى هذا، يكون معنى اختلاف رمحين في بلاد الشام الوارد في الاحاديث هو اختلاف زعيمين يمثلان الروم والترك أي الغربيين والروس، الذين ورد أنه تكون بينهم حالة اختلاف وتنافس شديد على المنطقة تصل إلى إرسال قواتهما إليها، وقد تصل إلى الحرب. فقد جاء في نفس الحديث المتقدم عن الامام الباقر أنه قال الجابر الجعفي رحمه الله " إلزم الارض ولا تحرك يدا ولا رجلا حتى ترى علامات أذكره لك: اختلاف بني فلان، ومناد ينادي في السماء، ويجيؤكم الصوت من ناحية دمشق بالفرج، وخسف قرية من قرى الشام تسمى الجابية. وستقبل إخوان الترك حتى ينزلوا الجزيرة. وستقبل مارقة الروم حتى ينزلوا الرملة. فتلك السنة فيها اختلاف كثير في كل أرض من ناحية المغرب، فأول أرض تخرب الشام، يختلفون عند ذلك على ثلاث رايات: راية الاصهب، وراية الابقع، وراية السفياني ". والمقصود باختلاف بني فلان كما ستعرف في حركة الظهور، اختلاف العائلة المالكة التي تكون حاكمة في الحجاز قبل ظهور المهدي . والصوت الذي يجئ من نحاحية دمشق هو صوت النداء السماوي الذي يبدو للناس كأنه صادر من ناحية الشام أو الغرب. أو أنه يبدو كذلك لاهل العراق، لان حديثه مع جابر الجعفي الكوفي وتعبيره " ويجيؤكم الصوت من ناحية دمشق ". ومن الملاحظ في الحديث الشريف التعبير ب‍ " إخوان الترك " و " مارقة
[ 103 ]
الروم " مما يؤيد تفسير الترك بالروس. وفي رواية أخرى في البحار ج 52 ص 237 " ومارقة تمرق من ناحية الترك، ويتبعها هرج الروم. " فقد عبر عنهم من ناحية الترك. ومن الواضح لمن تدبر في أحاديث الصراع على السلطة في تلك الفترة بين الابقع والاصهب، ثم بينهما وبين السفياني، ووجود القوات المغربية والايرانية في بلاد الشام. أن كل هذه الاحداث تتصل اتصالا وثيقا بحركة القوى الكبرى وصراعاتها، والزعماء التابعين لها، وحركة الامة في مقاومتها. يبقى أن نشير إلى رواية وصفت الرايات الثلاث التي تختلف في بلاد الشام بأنها راية حسنية وراية أموية وراية قيسية، وأن السفياني يأتي فيقضي عليها. فقد رواها في البحار عن الامام الصادق قال " يا سدير إلزم بيتك وكن حلسا من أحلاسه، واسكن ما سكن الليل والنهار، فإذا بلغ (بلغك) أن السفياني قد خرج فارحل الينا ولو على رجلك. قلت: جعلت فداك، هل قبل ذلك شئ ؟ قال: نعم، وأشار بيده بثلاث أصابعه إلى الشام وقال: ثلاث رايات، راية حسنية، وراية أموية، وراية قيسية. فبينما هم على ذلك إذ قد خرج السفياني فيحصدهم حصد الزرع، ما رأيت مثله قط ". ومن المشكل قبول هذه الرواية لانها تعارض الاحاديث الكثيرة التي تحدد الرايات الثلاث بأنها راية الابقع والاصهب والسفياني. ولان الكليني رحمه الله رواها في الكافي ج 8 ص 264 إلى قوله " ولو على رجلك " فقط. فيحتمل أن يكون القسم الاخير اضافة، أو تفسيرا لبعض الرواة اختلط بالاصل. الخ. وعلى فرض صحتها، لابد أن تكون الراية الحسنية مصحفة عن الحسينية التي هي راية الخراسانيين أصحاب الرايات السود، الذين تكون
[ 104 ]
قواتهم موجودة في بلاد الشام مع قوات المغاربة، كما ذكرنا. وتكون الراية الاموية نفس راية الاصهب أيضا. والراية القيسيقة. راية الابقع الذي تشير عدة روايات إلى علاقته بمصر. بل يشير بعضها إلى أنه يبدأ حركته من مصر أو هو من أهل مصر، فيكون قيسيا. كما توجد روايات تذكر أن السفياني يحكم مصر أيضا. والله العالم. كما توجد رواية في مخطوطة ابن حماد ص 75 تقول " يملك رجل من بني هاشم فيقتل بني أمية فلا يبقى منهم إلا اليسير، لا يقتل غيرهم. ثم يخرج رجل من بني أمية فيقتل بكل رجل رجلين حتى لا يبقي الا النساء. ثم يخرج المهدي " وهي لا تحدد منطقة حكم هذا الهاشمي الذي يحكم قبل السفياني، وهل هي الحجاز أم العراق. وإذا كانت تقصد بلاد الشام فلابد أن يكون قبل الابقع الذي تتفق الروايات على أن السفياني يخرج عليه وعلى الاصهب ويقتلهما، وتصفهما بأنهما من أعداء أهل البيت وشيعتهم. حركة السفياني السفياني من الشخصيات البارزة في حركة ظهور المدي . فهو العدو اللدود المباشر للامام الهدي، وان كان بالحقيقة واجهة للقوى الكافرة التي تقف وراءه كما ستعرف. وقد نصت الاحاديث الشريفة على أن خروجه من الوعد الالهي المحتوم، فعن الامام زين العابدين " إن أمر القائم حتم من الله، وأمر السفياني حتم من الله، ولا يكون قائم الا بسفياني " البحار ص 53 ص 182. وأحاديث السفياني متواترة اجمالا، وقد يكون بعضها متواترا بألفاظه
[ 105 ]
أيضا. وسنذكر جملة من ملامح شخصيته وحركته، ثم نستعرض أخباره متسلسلة كما ذكرتها الاحاديث الشريفة. إسمه ونسبه المتفق عليه بين العلماء أن تسميته بالسفياني نسبة إلى أبي سفيان لانه من ذريته. كما أنه يسمى ابن آكلة الاكباد نسبة إلى جدته هند زوجة أبي سفيان التي سميت بذلك لانها حاولت أن تأكل كبد الحمزة سيد الشهداء بعد شهادته في أحد. فعن أمير المؤمنين علي قال " يخرج ابن آكلة الاكباد من الوادي اليابس. وهو رجل ربعة (أي مربوع) وحش الوجه، ضخم الهامة، بوجهه أثر الجدري، إذا رأيته حسبته أعور. إسمه عثمان وأبوه عيينه (عنبسة خ. ل) وهو من ولد أبي سفيان، حتى يأتي أرض قرار ومعين فيستوي على منبرها " البحار ج 52 ص 205. والمعروف بين الشيعة أنه من أولاد عنبسة بن أبي سفيان، ولعلهم لذلك اعتبروا (عيينة) في الحديث تصحيفا لعنبسة. وفي حديث آخر رواه الطوسي رحمه الله أنه من ولد عتبة بن أبي سفيان - البحار ج 52 ص 213، وأولاد أبي سفيان خمسة: عتبة ومعاوية ويزيد وعنبسة وحنظلة. ولكن ورد في احدى رسائل أمير المؤمنين إلى معاوية النص على أنه من أبناء معاوية، جاء فيها " وإن رجلا من ولدك مشوم ملعون، جلف جاف، منكوس القلب، فظ غليظ، قد نزع الله من قلبه الرحمة والرأفة، أخواله كلب، كأني أنظر إليه، ولو شئت لسميته ووصفته، وابن كم هو، يبعث جيشا إلى المدينة فيدخلونها فيسرفون في القتل والفواحش، ويهرب منهم رجل زكي نقي،
[ 106 ]
الذي يملا الارض قسطا وعدلا، كما ملئت ظلما وجورا. واني لاعرف إسمه وابن كم هو يومئذ وعلامته ". وفي مخطوطة ابن حماد ص 75 عن الامام الباقر أنه " من ولد خالدين يزيد بن أبي سفيان " وقد يكون جده عنبسة أو عتبة أو عيينة أو يزيد من ذرية معاوية بن أبي سفيان، فيرتفع الالتباس. والمشهور عند علماء السنة أن اسمه عبد الله، وفي مخطوطة ابن حماد ص 74 أن اسمه " عبد الله بن يزيد " وقد ورد أن اسمه عبد الله في رواية في مصادرنا أيضا - البحار ج 53 ص 208، ولكن المشهور أن اسمه عثمان كما ذكرنا. خبثه وطغيانه ويتفق رواة الاحاديث على نفاقه وسوء سيرته، ومعاداته لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وللمهدي . والاحاديث التي رواها الفريقان عن شخصيته وأعماله واحدة أو متقاربة. كما في مخطوطة ابن حماد عن أبي قبيل قال " السفياني شر ملك، يقتل العلماء وأهل الفضل ويفنيهم. يستعين بهم، فمن أبى عليه قتله " ص 76، وفي ص 80 عن أرطاة قال " يقتل السفياني من عصاه، وينشرهم بالمناشير، ويطبخهم بالقدور، ستة أشهر " وفي ص 84 عن ابن عباس قال " يخرج السفياني فيقاتل، حتى يبقر بطون النساء، ويغلي الاطفال في المراجل " أي القدور الكبيرة. وعن الامام الباقر قال " إنك لو رأيت السفياني لرأيت أخبث الناس. أشقر أحمر أزرق، لم يعبد الله قط، لم ير مكة ولا المدينة. يقول يا رب ثاري والنار " البحار ج 52 ص 354.
[ 107 ]
ثقافته وولاؤه السياسي وتدل الاحاديث على أنه غربي الثقافة والتعليم، وربما تكون نشأته هناك أيضا، ففي غيبة الطوسي عن بشر بن غالب مرسلا قال " يقبل السفياني من بلاد الروم منتصرا من عنقه صليب. وهو صاحب القوم " ص 278، والظاهر أن أصلها " متنصرا " كما رواها في البحار ج 52 ص 217 أي مسيحيا بعد أن كان أصله مسلما. وتعبير " يقبل من بلاد الروم " يعني أنه يأتي من هناك إلى بلاد الشام ثم يقوم حركته. ويدل أيضا على أن ولاءه السياسي للغربيين واليهود، أنه يقاتل المهدي الذي هو عدو الروم أي الغربيين، ويقاتل الترك أو إخوان الترك الذين رجحنا أن يكون المقصود بهم الروس. وأنه ينقل عاصمته في أحداث الظهور أمام زحف جيش المهدي من دمشق إلى الرملة بفلسطين التي ورد أنه تنزل فيها مارقة الروم. بل يظهر أنه يخوض المعركة مع المهدي أصلا باعتباره خط الدفاع الامامي عن اليهود والروم، لان الاحاديث الشريفة تتحديث عن انهزام اليهود بهزيمته كما ستعرف. كما يدل على ولائه للغربيين أن جماعته بعد هزيمته وقتله، يهربون إلى الروم ثم يسترجعهم أصحاب المهدي ويقتلونهم. فعن ابن خليل الازدي قال " سمعت أبا جعفر يقول في قوله تعالى " فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون. لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون. قال: إذا قام القائم وبعث إلى بني أمية بالشام هربوا إلى الروم، فيقول لهم الروم لاندخلكم
[ 108 ]
حتى تنصروا، فيعلقون في أعناقهم الصلبان ويدخلونهم. فإذا بحضرتهم أصحاب القائم طلبوا الامان والصلح، فيقول أصحاب القائم: لانفعل حتى تدفعوا إلينا من قبلكم منا. قال فيدفعونهم إليهم. فذلك قوله تعالى " لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون ". قال: يسألهم عن الكنوز وهو أعلم بها، قال: فيقولون: يا ويلنا إنا كنا ظالمين. فما زالت تلك دعواهم، حتى جعلناهم حصيدا خامدين. بالسيف " البحار ج 52 ص 377. ومعنى إذا نزل بحضرتهم أصحاب القائم طلبوا الامان: أن أصحاب المهدي يحشدون قواتهم في مواجهة الروم ويهددونهم. والمقصود ببني أمية أصحاب السفياني كما نصت على ذلك أحاديث أخرى. ويبدو أنهم وزراؤه وقادة جيشه، وأن لهم أهمية سياسية كبيرة، ولذلك تصل قضيتهم إلى حد تهديد المهدي وأصحابه للروم بالحرب إذا لم يسلموهم إياهم. محاولة إعطائه الطابع الديني لحركته وهو أمر طبيعي بملاحظة المد الاسلامي الذي يتعاظم إلى ظهور المهدي . وبملاحظة أن حركته أصلا خطة رومية يهودية لمواجهة الرايات السود والمد الاسلامي. والمتتبع لاخبار السفياني يجد الادلة والاشارات على محاولته هذه. منها ما في مخطوطة ابن حماد ص 75 أن السفياني " شديد الصفرة به أثر العبادة " مما يعني أنه يظهر بمظهر المتدين، ولكن ذلك يكون أول أمره فقط كما يذكر حديث آخر. وقد يستشكل في وجه الجمع بين ذلك وبين كونه متنصرا يحمل الصليب في عنقه عندما يأتي من بلاد الروم، ولكن ما نراه من حالة السياسيين العملاء للغرب يرفع الاشكال، حيث يعيش بعضهم مع النصارى حتى لا يكاد يتميز عنهم، وقد
[ 109 ]
يتقرب إليهم بلبس الصليب الذهبي في عنقه أو في ساعته، وبحضور مراسمهم في الكنائس. حتى إذا زعموه على المسلمين تظاهر بالصلاة والتدين، لكي يخدع المسلمين بأنه منهم. بل يدك الحديث المتقدم عن مخطوطة ابن حماد ص 76 " يقتل العلماء وأهل الفضل ويفنيهم، ويستعين بهم، فمن أبى عليه قتله " على أنه يحرص على إعطاء الطابع الاسلامي لحركته، واعطاء الشرعية لحكمه، ويجبر العلماء على ذلك. ولعل تعبير يفنيهم مصحف عن " يفثنهم ". حقده على أهل البيت وشيعتهم وهو من أبرز صفاته التي تذكرها أحاديثه، بل يظهر منها أن دوره السياسي هو إثارة الفتنة المذهبية بين المسلمين وتحريك السنة على الشيعة تحت شعار نصرة التسنن. في نفس الوقت الذي هو موال لائمة الكفر الغربيين واليهود، وعميل لهم. فعن الامام الصادق قال " إنا وآل أبي سفيان أهل، بيتين تعدينا في الله. قلنا صدق الله وقالوا كذب الله. قاتل أبو سفيان رسول الله صلى الله عليه وآله وقاتل معاوية بن أبي سفيان عليا بن أبي طالب (ع) وقاتل يزيد بن معاوية الحسين بن على (ع) والسفياني يقاتل القائم (ع) ". البحار ج 52 ص 190. وعنه قال " كأني بالسفياني (أو بصاحب السفياني) قد طرح رحله في رحبتكم بالكوفة فنادى مناديه: من جاء برأس (من) شيعة علي فله ألف درهم، فيثب الجار على جاره ويقول هذا منهم، فيضرب عنقه ويأخذ ألف درهم ! أما إن إمارتكم يومئذ لا تكون إلا لاولاد البغايا. وكأني أنظر إلى صاحب البرقع. قلت: من صاحب البرقع ؟ قال: رجل منكم يقول بقولكم، يلبس البرقع فيحوشكم فيعرفكم
[ 110 ]
ولا تعرفونه، فيغمز بكم رجلا رجلا. أما إنه لا يكون إلا ابن بغي " البحار ج 52 ص 215. وقد رأينا في لبنان نماذج من أصحاب البراقع المقنعين من عملاء اليهود والكتائب وغيرهم، يدخلون معهم إلى مناطق المسلمين التي يسيطرون عليها وقد أخفوا وجوههم السوداء ببراقع سوداء أو غيرها، وهم يدلونهم على المؤمنين ويحوشونهم لهم، فيأخذونهم إلى السجن أو يقتلونهم ! والسفياني من تلامذة هؤلاء الاعداء. وملثموه من نوع ملثميهم. وفي مخطوطة ابن حماد ص 82 ! " وتقبل خيل السفياني في طلب أهل خراسان، فيقتلون شيعة آل محمد بالكوفة، ثم يخرج أهل خراسان في طلب المهدي " وسنذكر سياسته مع الشيعة في بلاد الشام في الحديث عن بداية حركته من الوادي اليابس. رايته الحمراء ذكرت ذلك بعض الاحاديث، كالذي رواه في البحار عن أمير المؤمنين قال في حديث طويل " ولذلك آيات وعلامات. وخروج السفياني براية حمراء، أميرها رجل من بني كلب " ج 52 ص 273، وهي ترمز إلى مظهره التقدمي، وسياسته الدموية. هل السفياني واحد أو متعدد لا شك في أن السفياني الموعود رجل واحد كما تدل عليه أحاديثه في مصادر الشيعة والسنة. ولكن ورد في بضعة أحاديث في مخطوطة ابن حماد
[ 111 ]
وغيرها أنهما سفياني أول وثان. وقد يفهم من بعضها أنهم ثلاثة. وقد ذكرت أن المذموم الذي يفعل الافاعيل هو السفياني الثاني، وأن الاول يموت بعد يسيطر على بلاد الشام، ويخوض معركة قرقيسيا، ويغزو العراق وينهزم هناك أمام جيش الايرانيين أصحاب الرايات السود. فيموت في رجوعه إلى الشام من قرحة تصيبه، ويستخلف السفياني الثاني الذي يواصل مهمته. وان صحت هذه الاحاديث، فيكون السفياني الاول زعيما سيئا ممهدا للسفياني الاصلي الموعود، كما يمهد اليماني والخراسانيون أصحاب الرايات السود للمهدي . قال ابن حماد في مخطوطته ص 78 " قال الوليد: " يستقبل السفياني فيقاتل بني هاشم، وكل من نازعه من الرايات الثلاث وغيرها، فيظهر عليهم جميعا. ثم يسير إلى الكوفة، ويخرج بني هاشم إلى العراق. ثم يرجع من الكوفة فيموت في أدنى الشام، ويستخلف رجلا آخر من ولد أبي سفيان تكون الغلبة له، ويظهر على الناس. وهو السفياني " ويشبه ذلك في تعدد السفياني ما رواه في ص 60 و 74 وغيرها. بداية حركة السفياني ومراحلها الظروف المذكورة في الاحاديث تقتضي لحركة السفياني أن تكون عنيفة وسريعة، أو بالتعبير السياسيي المتعارف: در اماتيكية دموية. فالوضع العالمي الذي تصل فيه درجة الصراع بين الدول الكبرى إلى حد الحرب. ووضع بلاد الشام الذي تمخضه فتنة فلسطين مخض " الماء في القربة " ويعاني من الضعف والانقسام. والاهم من ذلك في نظر الروم واليهود وصول المد الاسلامي وقوات الايرانيين إلى حدود فلسطين وأبواب
[ 112 ]
القدس. ثم تزايد النفوذ الروسي في بلاد الشام والعالم الاسلامي. لذلك يبادرون إلى اختيار زعيم قوي يستطيع أن يخضع المنطقة المحيطة باسرائيل لسيطرته إخضاعا كاملا، ومن ثم يقوم بدوره الهام الذي ليس هو تقوية خط الدفاع (العربي) عن اسرائيل والغرب فقط، بل يطلقون يده في غزو العراق واحتلاله من أجل إيقاف الخطر الايراني لاصحاب الرايات السود. كما يطلقون يده في إسناد حكومة الحجاز الضعيفة والقضاء على الحركة الاصولية الجديدة التي لم تكن بالحسبان، حركة الامام المهدي في مكة المكرمة. هذه الاعتبارات التي تذكرها الاحاديث صراحة أو تشير إليها تساعد على فهم السرعة والعنف اللذين تتحدث عنهما روايات حركة السفياني. فعن الامام الصادق قال " السفياني من المحتوم، وخروجه من أوله إلى آخره خمسة عشر شهرا. ستة أشهر يقاتل فيها. فإذا ملك الكور الخمس، ملك تسعة أشهر ولم يزد عليها يوما " البحار ج 52 ص 248. والكور الخمس هي دمشق والاردن وحمص وحلب وقنسرين التي كانت مراكز لحكم منطقة سوريا والاردن ولبنان. وقد نصت الاحاديث على دخول الاردن فيها، أما لبنان فقد كان جزءا من بلاد الشام وتابعا لكورها الخمس، فلا پبعد شمول حكم السفياني له. ولكن بعض الروايات تستثني من حكم السفياني طوائف من المقيمين على الحق يعصمهم الله من الخروج معه، كما سيأتي، قد يكون أهل لبنان منهم. وتحدد الاحاديث وقت حركته بأنه يكون في شهر رجب، فعن الامام الصادق قال " ومن المحتوم خروج السفياني في رجب " البحار ج 52 ص 249، وهذا يعني أن خروجه يكون قبل ظهور المهدي بنحو ستة أشهر، لانه يظهر في مكة في ليلة العاشر أو
[ 113 ]
يوم العاشر من محرم من تلك (السنة). ويعني أيضا أن سيطرة السفياني على منطقة بلاد الشام تتم قبل ظهور المهدي ، الامر الذي يمكنه من إرسال جيشه إلى العراق، ثم إلى الحجاز للقضاء بزعمه على أنصار المهدي وحركته. وعلى هذا، تكون مراحل حركة السفياني ثلاثة: مرحلة تثبيت سلطته في الستة أشهر الاولى. ثم مرحلة غزوه ومعاركه في العراق والحجاز. ثم مرحلة تراجعه عن التوسع في العراق والحجاز، ودفاعه أمام زحف جيش المهدي عما يبقى في يده من بلاد الشام، وعن اسرائيل والقدس. ومما يلاحظ في أحاديث السفياني أنها تذكر معاركه بالاجمال في الستة أشهر الاولى، وهي معارك داخلية مع الاصهب والابقع أولا، ثم مع القوى الاسلامية وغير الاسلامية المعارضة له، حتى تتم له السيطرة على بلاد الشام. ولكن الطبيعي بالنظر إلى نوع حركته أن تكون هذه الاشهر الستة مليئة بأعمال عسكرية مكثفة، حتى يحكم سيطرته ويستطيع تجنيد قوات كبيرة لمهامه ومعاركه الواسعة في التسعة أشهر التالية. وقد تكون أطراف معاركه في الستة أشهر الاولى مضافا إلى الابقع والاصهب حاكم الاردن ولبنان وغيرهما من القوى المعارضة. وتشير رواية إلى عنف معاركه مع الابقع والاصهب وأنها تسبب دمار الشام، فعن الامام الباقر قال " وخسف قرية من قرى الشام تسمى الجابية، ونزول الترك الجزيرة، ونزول الروم الرملة. واختلاف كثير عند ذلك في كل أرض، حتى تخرب الشام (وفي رواية وأول أرض تخرب الشام) ويكون سبب خرابها اجتماع ثلاث رايات فيها: راية الاصهب، وراية الابقع، وراية السفياني " الارشاد للمفيد ص 359. أما خراب دمشق المقصود بقول أمير المؤمنين " ولا نقضن
[ 114 ]
دمشق حجرا حجرا. يفعله رجل مني " فالظاهر أنه التدمير الذي يكون في معركة فتح القدس الكبرى التي يخوضها الامام المهدي مع السفياني واليهود والروم. أما في التسعة أشهر الاخيرة من حكم السفياني فيخوض حروبا كبيرة، أهمها حربه مع الترك (الروس ؟) وأعوانهم في قرقيسيا، ثم معاركه مع الايرانيين الممهدين في العراق، ومعهم اليماني كما في بعض الاحاديث. وقد تكون للسفياني أيضا قوات في المدينة المنورة تحارب المهدي إلى جانب قوات سلطة الحجاز في المعركة التي يحتمل أن يخوضها المهدي لتحرير المدينة المنورة. وبعد هزيمة السفياني في العراق والحجاز ينكفئ إلى الشام وفلسطين، حتى تكون له مع المهدي أكبر معاركه على الاطلاق: معركة فتح القدس الكبرى. من الوادي اليابس إلى دمشق تكاد تتفق الروايات على أن السفياني يبدأ حركته من خارج دمشق من منطقة حوران أو درعا على الحدود السورية الاردنية. وقد سمت الروايات منطقة خروجه بالوادي اليابس والاسود. فعن أمير المؤمنين قال " يخرج ابن آكلة الاكباد من الوادي اليابس، وهو رجل ربعة، وحش الوجه، ضخم الهامة، بوجهه أثر الجدري. إذا رأيته حسبته أعور. إسمه عثمان وأبوه عنبسة (عيينة) وهو من ولد أبي سفيان. حتى يأتي أرض قرار ومعين فيستوي على منبرها " البحار ج 52 ص 205 وقد ورد في تفسير الارض ذات القرار والمعين الوارد ذكرها في القرآن الكريم أنها دمشق.
[ 115 ]
وفي مخطوطة ابن حماد عن محمد بن جعفر بن علي قال " السفياني من ولد خالد بن يزيد بن أبي سفيان، رجل ضخم الهامة، بوجهه آثار جدري، وبعينه نكته بياض. يخرج من ناحية مدينة دمشق من واد يقال له وادي اليابس. يخرج في سبعة نفر، مع رجل منهم لواء معقود " ص 75، وفي ص 74 أن بداية حركته " من قرية من غرب الشام يقال لها أندرا في سبعة ت نفر " وفي ص 79 عن أرطاة بن المنذر قال " يخرج المشوه الملعون من عند المندرون شرقي بيسان على جمل أحمر وعليه تاج " وقد أورد ابن حماد روايات عديدة عن التابعين لم يسندوها إلى النبي صلى الله عليه وآله أو أهل بيته صلى الله عليه وآله تتحدث عن أمور أشبه بالاساطير عن السفياني وبداية حركته. وأنه يؤتى في منامه فيقال له قم، وأنه يحمل بيده ثلاث قصبات لا يقرع بهن أحدا إلا مات. ابن حماد ص 75، ولكن بقطع النظر عن الاحاديث التي تتضمن مبالغات وأمورا غير عادية، فإن الاحاديث الاخرى تتفق على أن حركته سريعة وعنيفة، وأن شدة بطشه كانت أمرا معروفا للرواة الشيعة، حتى أن أحدهم يسأل الامام الصاق عما يفعله الشيعة إذا خرج، فعن (الحسن بن أبي العلاء) الحضرمي قال " قلت لابي عبد الله - أي الامام الصادق -: كيف نصنع إذا خرج السفياني ؟ قال: تغيب الرجال وجوهها منه. وليس على العيال بأس. فإذا ظهر على الاكوار الخمس، يعني كور الشام فانفروا إلى صاحبكم " البحار ج 52 ص 272، ويبدو أن أقوى معارضيه هم الابقع وجماعته، وأنهم المقصودون ببني مروان في رواية مخطوطة ابن حماد ص 77 " فيظهر على المرواني فيقتله. ثم يقتل بني مروان ثلاثة أشهر. ثم يقبل على أهل المشرق - أي الايرانيين - حتى يدخل الكوفة ". وتدل بعض الاحاديث على أن الشيعة في منطقة الشام لا يكونون هم العدو الاساسي للسفياني عند خروجه، بل جماعة الابقع والاصهب الذين
[ 116 ]
هم أعداء للشيعة وللسفياني معا. فعن الامام الباقر قال " وكفى بالسفياني نقمة لكم من عدوكم، وهو من العلامات لكم، مع أن الفاسق لو قد خرج لمكثتم شهرا أو شهرين بعد خروجه لم يكن عليكم منه بأس، حتى يقتل خلقا كثيرا دونكم. فقال له بعض أصحابه: فكيف نصنع بالعيال إذا كان ذلك ؟ فقال: يتغيب الرجال منكم عنه فإن خيفته وشرته فإنما هي على شيعتنا، فأما النساء فليس عليهن بأس ان شاء الله تعالى. قيل إلى أين يخرج الرجال ويهربون منه ؟ قال: من أراد أن يخرج منهم إلى المدينة أو إلى مكة أو إلى بعض البلدان. ولكن عليكم بمكة فإنها مجمعكم. وانما فتنته حمل امرأة تسعة أشهر، ولا يجوزها إن شاء الله تعالى " البحار ج 52 ص 141 وهذا يدل على أن حملته على الشيعة في بلاد الشام تبدأ في رمضان بعد خروجه. وتذكر الروايات أن سيطرته على المنطقة تكون قوية مطلقة حيث يتغلب على كل مصاعب الوضع الداخلي " فينقاد له أهل الشام إلا طوائف من المقيمين على الحق يعصمهم الله من الخروج معه " البحار ج 52 ص 252، ويفهم بعضهم من تعبير هذا الحديث أن الشيعة في لبنان وبلاد الشام سوف لا يشملهم حكم السفياني ولا ينقادون له، وهو محتمل. وأقل ما يدل عليه استثناء طوائف من أهل الشام من الانقياد له وأن الجماعات الواعية من الشيعة وغيرهم سوف يتمكنون بعصمة الله تعالى أن يمتنعوا عن المشاركة في حركته وفي أعماله العسكرية في العراق والحجاز. ولا يبعد أن يكون لهم وضع سياسي مميز عن المواطنين العاديين في دولة السفياني، يمكنهم من هذا القدر من الاستقلالية، من قبيل الوضع اللبناني الفعلي بالنسبة إلى سوريا. على كل، يتفرغ السفياني من أعمال سيطرته على المنطقة، ويبدأ مهمته الخارجية، فيعد جيشه الكبير لمواجهة الايرانيين الممهدين " فلا يكون له
[ 117 ]
همة الا الاقبال نحو العراق. ويمر جيشه بقرقيسيا فيقتتلون بها " البحار ج 52 ص 237. معركة قرقيسيا الكبرى تبدو معركة قرقيسيا في أحاديث السفياني - التي تقع عند الحدود السورية العراقية التركية - حدثا خارجا عن السير الطبيعي لحركة السفياني وأحداث عصر الظهور. فالهدف الاساسي للسفياني من غزوة للعراق هو السيطرة على البلد ومقاومة زحف قوات الايرانيين الممهدة للمهدي من التوجه عبر العراق نحو سوريا والقدس، ولكن تعترضه معركة قرقيسيا في الطريق إلى العراق اعتراضا بسبب حادث غريب وهو ظهور " كنز " في مجرى نهر الفرات أو عند مجراه، حيث تحاول عدة أطراف السيطرة عليه، وتنشب بينهم الحرب هناك فيقتل منهم أكثر من مئة ألف، ثم لا ينتصر طرف منهم نصرا حاسما، ولا يسيطر أحد منهم على الكنز، بل ينصرف الجميع عنه وينشغلون بأحداث أخرى. ! وقرقيسيا، كما ورد في معجم البلدان، مدينة صغيرة عند مصب نهر الخابور في نهر الفرات. وهي اليوم أطلال قرب مدينة دير الزور السورية. فهي قريبة اذن من الحدود السورية العراقية، وقريبة نسبيا من الحدود السورية التركية. وعلى رغم الغموض في بعض جوانب معركة قرقيسيا، في سببها، وأطرافها ما عدا السفياني، وفي نهايتها. الا أن أحاديثها تؤكد على وقوعها بلهجة حاسمة، وتصفها بأوصاف كبيرة، كالحديث التالي عن الامام الصادق قال " إن الله مائدة (وفي رواية مأدبة) بقرقيسيا. يطلع مطلع
[ 118 ]
من السماء فينادي يا طير السماء ويا سباع الارض هلموا (هلمي) إلى الشبع من لحوم الجبارين " البحار ج 52 ص 246. ووصفها بمائدة الله تعالى أو مأدبته، يعنى أنها من تقديراته عزوجل لاشغال الجبارين ببعضهم وإضعاف قواهم، مما يساعد على هزيمتهم على يد المهدي ، حيث يدخل السفياني بعدها العراق وقد فقد قسما من قواته فيهزمه الايرانيون الممهدون. ثم يقاتل المهدي الترك، الذين يكونون طرفا في معركة قرقيسيا بعد هزيمتهم فيها. كما يشير الحديث أيضا إلى أن ساحة المعركة برية صحراوية، وأنهم لا يدفنون قتلاهم، أولا يتمكنون من دفنهم، فتشبع من لحومهم طيور السماء وسباع الارض. والى أن الجنود المقتولين جبارون أيضا لانهم جنود الجبارين، أو أنه يكون فيهم عدد كبير من الضباط والقادة الجبارين من الطرفين. وعن الامام الباقر قال " فيلتقي السفياني بالابقع فيقتتلون، يقتله السفياني ومن معه. ويقتل الاصهب. ثم لا يكون له همة إلا الاقبال نحو العراق. ويمر جيشه بقرقيسيا فيقتتلون بها، فيقتل من الجبارين مئة ألف. ويبعث السفياني جيشا إلى الكوفة، وعدتهم سبعون ألفا " البحار ج 52 ص 237، وتذكر بعض الروايات أن عدد القتلى مئة وستين ألفا، وبعضها أكثر. وقد يكون المئة ألف من الجبارين كما تصفهم هذه الرواية، والباقون من عامة الجنود والمرتزقة والمستضعفين. أما الكنز المختلف عليه، فقد وردت فيه عدة روايات، من أوضحها ما في مخطوطة ابن حماد ص 92 عن النبي صلى الله عليه وآله قال " ينحسر الفرات عن جبل من ذهب وفضة، فيقتل عليه من كل تسعة سبعة. فإن أدركتموه فلا تقربوه " وفيها أيضا " الفتنة الرابعة ثمانية عشر عاما، ثم تنجلي حين تنجلي وقد انحسر الفرات عن
[ 119 ]
جبل من ذهب، تنكب عليه الامة فيقتل من كل تسعة سبعة " والمقصود بالفتنة الرابعة في هذا الحديث ان كانت فتنة سيطرة الغربيين وغيرهم من الامم على المسلمين، فهي فتنة طويلة كما نصت على ذلك الاحاديث. وقد مضى عليها إلى الان نحو قرن من الزمان. وان كان المقصود فتنة بلاد الشام الداخلية الناتجة عن الفتنة الرابعة أي فتنة فلسطين، فيحتمل أن تكون بداية الثمانية عشر سنة، الحرب اللبنانية الداخلية. ومن المحتمل أن يكون هذا الكنز مناجم ذهب وفضة تكتشف هناك وتكون موضع خلاف بين الدول الثلاث ومن وراءها، أو نفطا، أو غير ذلك من المعادن. وقد سمعت أن منطقة قرقيسيا غنية بالنفظ والمعادن الاخرى حتى اليورانيوم. وأن نتائج التنقيب والبحث فيها جارية وايجابية. فسبحان من بيده مقادير كل شئ وملكوته. أما الطرف المقابل للسفياني في هذه المعركة فأكثر الاحاديث تذكر أنهم الترك. ولكن ما هو المقصود بالترك هنا ؟ الذي يبدو أنه الاقرب إلى طبيعة الامور أن يكونوا الجيش التركي، لان النزاع على ثروة عند حدود سوريا وتركيا. وأما الطرف الثالث الذي هو العراق فيكون مشغولا بأوضاعه الداخلية وانقسامه إلى فئة مؤيدة للممهدين اليمانيين والايرانيين، وفئة مؤيدة للسفياني.. ولكن توجد مؤشرات عديدة تؤيد احتمال أن يكون المقصود بالترك هنا الروس. خاصة الاحاديث التي تذكر أنهم قبل خروج السفياني ينزلون الجزيرة التي هي جزيرة ربيعة أو ديار بكر، القريبة من قرقيسيا. والاحاديث التي تذكر أن السفياني يقاتل الترك ثم يكون استئصالهم يدل على يد المهدي ، وأن أول لواء يعقده المهدي بعد سيطرته على العراق يبعثه إلى الترك. أي
[ 120 ]
أول جيش يرسله يكون لحرب الترك فيهزمهم. والظاهر أن المقصود بالجزيرة، التي تذكر أحاديث عديدة أن قوات الترك ينزلونها قبل السفياني، هي تلك المنطقة المسماة بهذا الاسم، والتى تفهم منه عندما يطلق غير مضاف، وليس جزيرة العرب أو غيرها. وكذا المقصود بنزول قوات الروم في الرملة هو رملة فلسطين كما يفهم من الروايات. نعم يفهم من أحاديث الكنز المتقدمة ونهي النبي (ص) المسلمين عن المشاركة في القتال عليه، وعبارة " تنكب عليه الامة " أن أطراف الصراع على الكنز مسلمون. ولكن ذلك لايمنع أن تكون دولة تركيا طرفا ويساندها الترك الروس أو إخوان الترك كما ورد التعبير عنهم في أحاديث نزول قواتهم في الجزيرة. أما الروم والمغاربة فقد وردت بعض روايات تشير إلى أنهم من أطراف حرب قرقيسيا، ولكنها إشارات قليلة وضعيفة. ويحتمل أن يكون دخولهم لمساعدة السفياني، أو غير ذلك. وأما القوى الاساسية المعادية للسفياني والمؤيدة للمهدي وهم اليمانيون والايرانيون فلا يدخلون في حرب قرقيسيا، لانها حرب بين أعدائهم، ولكن السبب الاهم على ما يبدو من الاحاديث هو انشغالهم بأحداث الظهور في الحجاز، والعمل على ترتيب اتصالهم وتوحيد قواتهم مع قوة الامام المهدي الذي تكون بدأت حركة ظهوره في مكة. وقد يكون السبب أيضا نشوب الحرب العالمية التي نرجح أن يكون وقوع مرحلة منها في هذه المرحلة كما سنذكره. روى ابن حماد في مخطوطة ص 87 عن علي قال " إذا خرجت خيل السفياني إلى الكوفة، بعث في طلب أهل خراسان. ويخرج أهل
[ 121 ]
خراسان في طلب المهدي ". احتلال السفياني العراق يكون احتلال العراق هدفا ستراتيجيا عاجلا للسفياني كما تذكر الاحاديث. ولكنه يضطر لخوض حرب قرقيسيا اضطرارا، ثم يواصل بعدها تنفيذ مهمته. ولا يكون أمامه في حملته على العراق طرف معارض عالمي أو من دول المنطقة، وحتى الترك لذين يقاتلهم في قرقيسيا يكون هدفهم ثروة قرقيسيا وكنزها، ولا شأن لهم بأمور العراق. والمعارضة الوحيدة المذكورة إنما تكون من اليمانيين والخراسانيين، أي أنصار المهدي فقط. وذلك يؤكد أن غزوه العراق يكون بالاساس عملا موجها ضد المهدي ومؤيديه. أما الشعب العراقي فيكون منقسما إلى اتجاهين بل إلى ثلاثة اتجاهات كما تذكر الاحاديث: المؤيدين للمهدين. والمؤيدين للسفيانيين. واتجاه ثالث يتزعمه الشيصباني. فعن جابر الجعفي قال " سألت أبا جعفر (أي الامام الباقر) عن السفياني، فقال: " وأنى لكم بالسفياني حتى يخرج قبله الشيصباني، يخرج بأرض كوفان ينبع كما ينبع الماء، فيقتلف وفدكم. فتوقعوا بعد ذلك السفياني وخروج القائم " البحار ج 52 ص 250، والمقصود بالشيصباني في أحاديث أهل البيت رجل من بني العباس أو رجل معاد لهم ، لانهم يعبرون عن بني العباس ببني شيصبان. فهو اسم للرجل السئ أو المغمور يستعملونه كناية عن عدوهم.
[ 122 ]
والشيصباني في اللغة اسم من اسماء الشيطان. ويبدو أن الشيصباني يخرج في العراق بعد أن يكون الحكم بيد الممهدين الخراسانيين ومؤيديهم، وذلك بملاحظة الاحاديث التي تذكر دخولهم العراق في مرحلة سابقة. على أي، يبدو أن الوضح الداخلي في العراق يكون مؤاتيا لدخول قوات السفياني، فلا يلاقي مقاومة مهمة. ويكون اليمانيون والخراسانيون مشغولين بأحداث الظهور في الحجاز فتصل قوات السفياني قبل قواتهم بمدة قليلة. فعن الامام الباقر قال " لابد لبني فلن أن يملكوا. فإذا ملكوا ثم اختلفوا تفرق ملكهم، وتشتت أمرهم. حتى يخرج عليهم الخراساني والسفياني، هذا من المشرق وهذا من المغرب، يستبقان إلى الكوفة كفرسي رهان: هذا من هنا، وهذا من هنا، حتى يكون هلاك بني فلان على أيديهما، أما إنهما لا يبقون منهم أحدا " البحار ج 52 ص 231 - 232، والمقصود ببني فلان هنا قد يكون أسرة الشيصباني الحاكم في العراق، أو بني شيصبان آخرين. وعن الامام الصادق قال: " كأني بالسفياني (أو بصاحب السفياني) قد طرح رحله في رحبتكم بالكوفة، فنادى مناديه: من جاء برأس (من) شيعة علي فله ألف درهم. فيثب الجار على جاره ويقول هذا منهم، فيضرب عنقه ويأخذ ألف درهم. أما إن إمارتكم لا تكون يومئذ إلا لاولاد البغايا. وكأني أنظر إلى صاحب البرقع، قلت: ومن صاحب البرقع ؟ فقال: رجل منكم يقول بقولكم يلبس البرقع فيحوشكم فيعرفكم ولا تعرفونه، فيغمزبكم رجلا رجلا. أما إنه لا يكون إلا ابن بغي " البحار ج 52 ص 215. وفي مخطوطة ابن حماد " وتقبل خيل السفياني كالليل والسيل فلا تمر بشئ إلا أهلكته وهدمته، حتى يدخلون الكوفة فيقتلون شيعة آل محمد، ثم يطلبون أهل خراسان في كل وجه. فيخرج أهل خراسان في طلب المهدي فيدعون له
[ 123 ]
وينصرونه " ص 82. وتفصل الاحاديث في ذكر الفظائع التي يرتكبها جيش السفياني في غزوه العراق، خاصة بحق شيعة أهل البيت . ففي مخطوطة ابن حماد ص 83 عن ابن مسعود قال " إذا عبر السفياني الفرات وبلغ موضعا يقال له حاقرقوفا، محى الله الايمان من قلبه، فيقبل بها إلى نهر يقال له الدجيل سبعين ألفا متقلدين سيوفا محلاة، وما سواهم أكثرهم منهم، فيظهرون على بيت الذهب فيقتلون المقاتلة ويبقرون بطون النساء يقولون لعلها حبلى بغلام. ويستغيث نسوة من قريش على شط دجلة إلى المارة من أهل السفن يطلبن إليهن أن يحملوهن حتى يلقوهن إلى الناس، فلا يحملونهن بغضا لبني هاشم ". ومعنى " مقلدين سيوفا محلاة " أنهم متميزون عن غيرهم من الجنود بنوع أسلحتهم. ويبدو أن بيت الذهب المذكور الذي يسيطرون عليه يكون مركزا أو قصرا يقع على نهر دجلة أو الدجيل. والمقصود بنسوة من قريش العلويات من ذرية أهل البيت . وعن أمير المؤمنين قال " ويدخل جيش السفياني إلى الكوفة، فلا يدعون أحدا إلا قتلوه وإن الرجل منهم يمر بالدرة المطروحة العظيمة (أي الجوهرة) فلاي تعرض لها، ويرى الصبي الصغير فيلحقه ويقتله " البحار ج 52 ص 219 وتذكر الرويات أسماء عدة أماكن يتمركز فيها جيش السفياني غير الاماكن المتقدمة مثل الزوراء أي بغداد، والانبار والصراة والفاروق والروحاء. فعن الامام الصادق قال " ويبعث مئة وثلاثين ألفا إلى الكوفة. وينزلون الروحاء والفاروق، فيسير منها ستون ألفا حتى ينزلوا الكوفة، موضع قبر هود بالنخيلة " البحار ج 52 ص 273. وجاء في " لوائح الانوار البهية " للسفاريني الحنبلي عن السفياني " يقاتل
[ 124 ]
الترك فيظهر عليهم، ثم يفسد في الارض، ويدخل الزوراء فيقتل من أهلها ". والخلاصة أن حملة السفياني على العراق تكون حملة شرسة مدمرة، وأنها تحقق هدفها إلى حد كبير في تقتيل شيعة المهدي . ولا تلاقي مقاومة هامة من السلطة. ولا مقاومة تذكر من الشيعة ما عدا ما ورد عن رجل من الموالي أي غير العرب من أنه يقاوم جيش السفياني بمجموعة صغيرة غير مسلحة فيقتلونه " ثم يخرج رجل من موالي أهل الكوفة في ضعفاء فيقتله أمير جيش السفياني بين الحيرة والكوفة " البحار ج 238 52 وسنذكر قريبا رواية ابن حماد التي تنص على أنهم غير مسلحين إلا قليلا. ولكن حملة السفياني لا تحقق هدفها الثاني في تحكيم سيطرته على العراق، بل لا تمضي على قواته إلا أسابيع قليلة حتى تصاب بالذعر من خبر وصول قوات الممهدين الخراسانيين واليمانيين الذين يبادرون مسرعين إلى العراق، فتقرر قوات السفياني الانسحاب أمامهم ولا تخوض معهم إلا معارك جانبية في عدة مواضع تنهزم فيها. على أن الاحتمال الاقوى في سبب قرار السفياني أن يسحب قواته من العراق أنه يحتاج إليها أو إلى قسم كبير منها في دوره الجديد في الحجاز للقضاء على مركز الحركة في مكة بزعمه، حيث تذكر بعض الروايات أن الجيش الذي يرسله السفياني إلى الحجاز للقضاء على حركة المهدي يرسله من العراق، وبعضها يذكر أنه يرسله من الشام، ويمكن أن يكون قسم منه من الشام وقسم من العراق، فعن الامام الباقر قال " ويبعث السفياني جيشا إلى الكوفة وعدتهم سبعون ألفا، فيصيبون من أهل الكوفة قتلا وصلبا وسبيا. فبينا هم كذلك إذ أقبلت رايات سود من قبل خراسان تطوي المنازل طيا حثيثا ومعهم (فيهم) نفر من أصحاب القائم " البحار ج 52
[ 125 ]
ص 238، وفي مخطوطة ابن حماد " يدخل السفياني الكوفة فيسبيها ثلاثة أيام، ويقتل من أهلها ستين ألفا، ثم يمكث فيها ثمانية عشرة ليلة. وتقبل الرايات السود حتى تنزل على الماء، فيبلغ من بالكوفة من أصحاب السفياني نزولهم فيهربون. ويخرج قوم من السواد الكوفة ليس معهم سلاح الا قليل منهم، ومنهم نفر من أهل البصرة. فيدركون أصحاب السفياني فيستنقذون ما في أيديهم من سبي الكوفة. وتبعث الرايات السود بالبيعة إلى المهدي " ص 84. وتصف الرواية التالية عن أمير المؤمنين جانبا من احتلال جيش السفياني للعراق، ثم دخول القوات الممهدة الخراسانية واليمانية " ويبعث مئة وثلاثين ألفا إلى الكوفة وينزلون الروحاء والفاروق، فيسير منها ستون ألفا حتى ينزلوا الكوفة موضع قبر هود بالنخيلة، فيهجمون إليهم (عليهم) يوم الزينة، وأمير الناس جبار عنيد يقال له الكاهن الساحر، فيخرج من مدينة الزوراء إليهم أمير في خمسة آلاف من الكهنة، ويقتل على جسرها سبعين ألفا حتى تحمى الناس من الفرات ثلاثة أيام من الدماء ونتن الاجساد. ويسبي من الكوفة سبعون ألف بكر لا يكشف عنها كف ولا قناع حتى يوضعن في المحامل ويذهب بهن إلى الثوية وهي الغري. ثم يخرج من الكوفة مئة ألف مابين مشرك ومنافق حتى يقدموا دمشق، لا يصدهم عنها صاد، وهي إرم ذات العماد. وتقبل رايات من شرقي الارض غير معلمة، ليست بقطن ولا كتان ولا حرير، مختوم برأس القتاة بخاتم السيد الاكبر. يسوقها رجل من آل محمد، تظهر بالمشرق، وتوجد ريحها بالمغرب كالمسك الاذخر. يسير الرعب أمامها بشهر حتى ينزلوا الكوفة طالبين بدماء آبائهم. فبينماهم كذلك إذ أقبلت خيل اليماني والخراساني يستبقان كأنهما فرسي (فرسا) رهان شعث غبر جرد، أصلاب نواطي وأقداح، إذ نظر (ت) أخدهم برجله باطنه فيقول لاخير في مجلسنا بعد يومنا هذا. اللهم إنا التائبون. وهم الابدال الدين
[ 126 ]
وصفهم الله في كتابه العزيز " إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين " ونظراؤهم من آل محمد. ويخرج رجل من أهل نجران يستجيب للامام، فيكون أول النصارى إجابة فيهدم بيعته، ويدق صليبه، فيخرج بالموالي وضعفاء الناس، فيسيرون إلى النخيلة بأعلام هدى. فيكون مجمع الناس جميعا في الارض بالفاروق، فيقتل يومئذ ما بين المشرق والمغرب ثلاثة آلاف ألف، يقتل بعضهم بعضا. فيومئذ تأويل هذه الاية " فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين " بالسيف " البحار ج 52 ص 273 و 274. وفي هذا الحديث تصحيف وخلل في النسخ، وقد ورد برواية أخرى تبدو أكثر ضبطا وهي في البحار ج 53 ص 82 عن أمير المؤمنين قال: " ألا أيها الناس، سلوني قبل أن تشغر برجلها فتنة شرقية تطأ في خطامها بعد موت وحياة، أو تشب نار بالحطب الجزل غربي الارض، رافعة ذيلها تدعو يا ويلها بذحلة أو مثلها. فإذا استدار الفلك، قلتم مات أو هلك، بأي واد سلك، فيومئذ تأويل هذه الاية " ثم رددنا لكم الكرة عليهم، وأمددناكم بأموال وبنين. وجعلناكم أكثر نفيرا " ولذلك آيات وعلامات: أولهن إحصار الكوفة بالرصد والخندق، وتخريق الزوايا في سكك الكوفة، وتعطيل المساجد أربعين ليلة. وتخفق رايات ثلاث حول المسجد الاكبر يشبهن بالهدى، القاتل والمقتول في النار. وقتل كثير، وموت ذريع. وقتل النفس الزكية بظهر الكوفة في سبعين. والمذبوح بين الركن والمقام. وقتل الاسبغ المظفر صبرا في بيعة الاصنام، مع كثير من شياطين الانس. وخروج السفياني براية خضراء (حمراء) وصليب من ذهب، أميرها رجل من كلب. واثني عشر ألف عنان من يحمل السفياني متوجها إلى مكة والمدينة، أميرها
[ 127 ]
أحد من بني أمية يقال له خزيمة، أطمس العين الشمال، على عينه طرفة، يميل بالدنيا فلا ترد له راية حتى ينزل بالمدينة، فيجمع رجالا ونساء من آل محمد صلى الله عليه وآله فيحبسهم في دار بالمدينة يقال لها دار أبي الحسن الاموي. ويبعث خيلا في طلب رجل من آل محمد صلى الله عليه وآله قد اجتمع عليه رجال من المستضعفين بمكة، أميرهم رجل من غطفان. حتى إذا توسطوا الصفائح (الصفاح) الابيض بالبيداء: يخسف بهمه فلا ينجو منهم أحد الا رجل واحد يحول الله وجهه في قفاه لينذرهم وليكون آية لمن خلفه. فيومئذ تأويل هذه الاية " ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب ". ويبعث السفياني مئة وثلاثين ألفا إلى الكوفة فينزلون بالروحاء والفاروق، وموضع مريم وعيسى (ع) بالقادسية، ويسير منهم ثمانون ألفا حتى ينزلوا الكوفة موضع قبر هود (ع) بالنخيلة فيهجموا عليه يوم زينة، وأمير الناس جبار عنيد يقال له الكاهن الساحر، فيخرج من مدينة يقال لها الزوراء في خمسة آلاف من الكهنة، ويقتل على جسرها سبعين ألفا، حتى يحتمي الناس الفرات ثلاثة أيام من الدماء ونتن الاجساد. ويسبي من الكوفة أبكارا لا يكشف عنها كف ولاقناع، حتى يوضعن في المحامل يزلف بهن للثوية وهي الغريين. ثم يخرج من الكوفة مئة ألف بين مشرك ومنافق، حتى يضربون دمشق لا يصدهم عنها صاد، وهي إرم ذات العماد. وتقبل رايات (من) شرقي الارض ليست بقطن ولا كتان ولا حرير، مختمة في رؤوس القنا بخاتم السيد الاكبر، يسوقها رجل من آل محمد صلى الله عليه وآله يوم تطير بالمشرق يوجد ريحها بالمغرب كالمسك الاذفر، يسير الرعب أمامها شهرا. ويخلف أبناء سعد بالكوفة طالبين بدماء آبائهم، وهم أبناء الفسقة، حتى يهجم عليهم خيل الحسين يستبقان كأنهما فرسا رهان. شعث غبر أصحاب بواكي وقوارح، إذ يضرب أحدهم برجله باكية، يقول لا خير في مجلس بعد يومنا هذا، اللهم فإنا
[ 128 ]
التائبون الخاشعون الراكعون الساجدون. فهم الابدال الذين وصفهم الله عزوجل " إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين " والمطهرون نظر أوهم من آل محمد. ويخرج رجل من أهل نجران يستجيب الامام، فيكون أول النصارى إجابة، ويهدم صومعته ويدق صليبها، ويخرج بالموالي وضعفاء الناس والخيل، فيسيرون إلى النخيلة بأعلام هدى. فيكون مجمع الناس جميعا من الارض كلها بالفاروق، وهي محجة أمير المؤمنين، وهي ما بين البرس والفرات، فيقتل يومئذ ما بين المشرق والمغرب ثلاثة آلاف من اليهود والنصارى، فيقتل بعضهم بعضا. فيومئذ تأويل هذه الاية " فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين " بالسيف، وتحت ظل السيف ". والفقرة الاولى والاخيرة من هذه الرواية تذكر حربا عالمية يتركز دمارها على الغرب، ويقتل فيها ثلاثة آلاف ألف أي ثلاثة ملايين، وسنذكر ذلك في محله. ولعل معنى " تخريق الزوايا في الكوفة " إقامة المتاريس لقتال الشوارع في حملة السفياني. وسيأتي ذكر الرايات الثلاث حول المسجد الحرام في مكة والحجاز في حركة الظهور في اختلاف القبال على السلطة قبيل ظهور المهدي . " وقتل النفس الزكية بظهر الكوفة في سبعين، وفي رواية سبعين من الصالحين " من القريب انطباقه على الشهيد السعيد السيد الصدر ، لانه استشهد مع سبعين من الصالحين. وظهر الكوفة هي النجف. " المذبوح بين الركن والمقام " هو النفس الزكية قبيل ظهور المهدي ، وهو رسول المهدي إلى أهل مكة.
[ 129 ]
وفي الرواية عدة أسماء وكلمات لاأعرف معناها مثل الاسبغ المظفر الذي يقتل في بيعة الاصنام أي في معبد الاصنام، وشياطينه الكثيرين. وأبناء سعد السقاء، وغيرها. ويوجد بعض روايات تذكر أو تشير إلى أن مريم وعيسى عليهما السلام قد زارا العراق ونزلا القادسية، وبقيا مدة في مكان مسجد براثا قرب بغداد، والله العالم. أما موضع قبر هود بالنخيلة فهو معروف قرب النجف في وادي السلام. وأمير الناس الكاهن الساحر، قد يكون هو الشيصباني الذي ورد أنه يخرج في العراق قبل السفياني. ورايات شرقي الارض، هي رايات الخراسانيين الممهدين. وخاتم السيد الاكبر قد يكون معناه شعار (الله) الذي هو شعار الجمهورية الاسلامية الذي اختاره سيدها الاكبر الامام الخميني. وتفسير الفاروق في الرواية الثانية لابد أن يكون تعليقا من أحد الرواة دخل في أصل الرواية، ولا يمكن أن يكون من كلام أمير المؤمين . وقد يكون مجمع الناس هناك بمعنى أن قوات المهدي تتجمع هناك، ثم تكون الحرب العالمية المذكورة بين غير المسلمين. واعلم أن هذه الرواية وأمثالها عن أمير المؤمنين تحتاج إلى تحقيق سندها وألفاظها. والظاهر أن أكثر هذه الخطب والروايات المطولة عن علامات الظهور وحركته، انما هي خطب ومقالات لرواة وعلماء نظموا فيها عددا من الروايات الواردة عن أمير المؤمنين والائمة . ثم نسبت بعد ذلك إليهم . وعليه فتكون قيمتها العلمية في أنها كلام رواة وعلماء اطلعوا على الاحاديث الشريفة أكثر منا، وكانوا أقرب إلى عصر صدورها. وليس هذا موضع التفصيل.
[ 130 ]
جيش السفياني الي الحجاز (جيش الخسف) سوف نتعرض في حركة الظهور المقدس إن شاء الله إلى حالة الصراع السياسي التي تخبر الاحاديث الشريفة أنها تحدث في الحجاز، على أثر مقتل حاكمه عبد الله، وعدم اتفاقهم على حاكم بعده، وصراع القبائل الحجازية على السلطة. الامر الذي يضعف حكومة الحجاز، ويسمح للمهدي أن يبدأ حركته في مكة ويحررها، ويحكم سيطرته عليها. في هذه المرحلة، وعندما ترى حكومة الحجاز عجزها عن القضاء على حركة المهدي ، تقوم هي أو تقوم الدول الكبرى بتكليف السفياني بهذه المهمة، فيوجه قواته إلى المدينة المنورة ثم إلى مكة المكرمة. بينما يعلن المهدي للمسلمين وللعالم بأنه ينتظر المعجزة الموعودة على لسان النبي صلى الله عليه وآله وهي الخسف بجيش السفياني بالبيداء قرب مكة، وأنه بعد هذه المعجزة سيواصل حركته المقدسة. بل لا يبعد ترجيح ما تذكره بعض الاحاديث من أن استدعاء قوات السفياني إلى الحجاز، والحرمين خاصة، تكون قبل بدء حركة ظهور المهدي ، وأن جيشه يدخل المدينة المنورة بحثا عن المهدي وأنصاره ويرتكب فيها الجرائم، وأن المهدي يكون عند ذاك في المدينة ثم يخرج منها إلى مكة على سنة موسى خائفا يترقب، ثم يأذن الله تعالى له بالظهور. وتصف الاحاديث في مصادر الشيعة والسنة دخول جيش السفياني إلى المدينة المنورة عن طريق العراق والشام بأنه دخول كاسح، لا يجد أمامه
[ 131 ]
مقاومة. وأنه يستعمل مع أنصار المهدي وشيعة أهل البيت نفس طريقته في العراق في القتل والابادة للكبير والصغير والرجال والنساء ! بل يبدو من الاحاديث أن بطشه في المدينة يكون أشد، ففي مخطوطة ابن حماد عن ابن شهاب قال " يكتب السفياني إلى الذي دخل الكوفة بخيلة، بعد ما يعركها عرك الاديم، يأمره بالسير إلى الحجاز، فيسير إلى المدينة فيضع السيف في قريش، فيقتل منهم ومن الانصار أربع مائة رجل، ويبقر البطون، ويقتل الولدان، ويقتل أخوين من قريش رجل وأخته يقال لهما فاطمة ومحمد، ويصلبهما على باب مسجد المدينة " ص 88. وتذكر روايات أخرى أن هذا السيد وأخته هم ابناء عم النفس الزكية الذي يرسله الامام المهدي إلى مكة فيقتلونه في المسجد الحرام قبل ظهوره بخمسة عشر ليلة. وأنهما يكونان فارين من العراق من جيش السفياني، ويدلهم عليهما جاسوس يكون معهما من العراق. وتدل الرواية الاتية عى أن السفياني يبرر مجزرته في بني هاشم وشيعتهم في المدينة بأنها اقتصاص لمقتل جنوده في العراق على يد قوات الخراسانيين. ففي مخطوطة ابن حماد ص 89 عن أبي قبيل قال " يبعث السفياني جيش (جيشه) إلى المدينة، فيأمر بقتل كل من كان فيها من بني هاشم حتى الحبالي ! وذلك لما يصنع الهاشمي الذي يخرج على أصحابه من المشرق. يقول (أي السفياني) ماهذا البلاء كله وقتل أصحابي إلا من قبلهم، فيأمر فيقتلون حتى لايعرف منهم بالمدينة أحد. ويفترقون منها هاربين إلى البوادي والجبال والى مكة، حتى نساؤهم. يضع فيهم السيف أياما ثم يكف عنهم، فلا يظهر منهم إلا خائف حتى يظهر أمر المهدي بمكة اجتمع كل من شذ منهم إليه بمكة ". وعن الامام الباقر قال " ويظهر السفياني ومن معه حتى لا يكون
[ 132 ]
له همة إلا آل محمد صلى الله عليه وآله وشيعتهم. فيبعث بعثا إلى الكوفة فيصاب باناس من شيعة آل محمد صلى الله عليه وآله قتلا وصلبا. وتقبل راية من خراسان حتى تنزل ساحة الدجلة (دجلة) يخرج (ويخرج) رجل من الموالي ضعيف ومن تبعه فيصاب بظهر الكوفة. ويبعث بعثا إلى المدينة فيقتل بها رجلا، ويهرب المهدي والمنصور منها، ويؤخذ آل محمد صغيرهم وكبيرهم لا يترك منهم أحد الا أخذ وحبس. يخرج الجيش في طلب الرجلين، ويخرج المهدي منها على سنة موسى خائفا يترقب حتى يقدم مكة " البحار ج 52 ص 222 وفي ص 252 عن السفياني أنه " يأتي المدينة بجيش جرار " وجاء في مستدرك الحاكم ج 4 ص 442 أن أهل المدينة يخرجون منها أمام حملة السفياني. ويبدو أن المنصور المذكور في الحديث الذي يخرج مع المهدي هو النفس الزكية محمد، وهو من أصحاب المهدي ، ويرسله إلى المسجد الحرام ليبلغ رسالته فيقتلونه، ويحتمل أن يكون أحد أصحاب المهدي غير النفس الزكية. هذه نماذج من أحاديث غزو السفياني للمدينة المنورة وأفاعيله فيها. ولا تذكر الاحاديث أماكن أخرى من الحجاز تدخلها قواته غير المدينة، ثم محاولة دخولها مكة. ويبدو أن مدة احتلاله للمدينة لاتطول حتى يرسل جيشه كله أو معظمه إلى مكة فتقع فيه الاية الموعودة، ويخسف بهم جميعا تقريبا قبيل مكة. وفي بعض الروايات أن بقاء جيشه في المدينة يكون أياما فقط، ولكن يبدو أن المقصود دخوله المدينة وأفاعيله فيها، وليس مرابطة القوات فيها أو قربها.
[ 133 ]
والاحاديث في جيش الخسف كثيرة متواترة في مصادر المسلمين، ولعل أشهرها في مصادر السنة الحديث المروي عن أم سلمة قالت " قال رسول الله صلى الله عليه وآله يعوذ عائذ بالبيت فيبعث إليه جيش حتى إذا كانوا بالبيداء بيداء المدينة خسف بهم " مستدرك الحاكم ج 4 ص 429 وغيره. وفي البحار ج 52 ص 186. قال صاحب الكشاف في تفسر قوله تعالى " ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت، وأخذوا من مكان قريب " سبأ - 51: " روي عن ابن عباس أنها نزلت في خسف البيداء ". وقال صاحب مجمع البيان " قال أبو حمزة الثمالي: سمعت علي بن الحسين والحسن بن الحسن بن علي يقولان: هو جيش البيداء يؤخذون من تحت أقدامهم " البحار ج 52 ص 186. وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه " أن النبي صلى الله عليه وآله ذكر فتنة تكون بين أهل مشرق والمغرب وقال: " فبينا هم كذلك يخرج عليهم السفياني من الوادي اليابس في فوره ذلك، حتى ينزل دمشق. فيبعث جيشين جيشا إلى المشرق، وآخر إلى المدينة، حتى ينزلوا بأرض بابل من مدينة الملعونة (يعني بغداد) فيقتلون أكثر من ثلاثة آلاف ويغصبون أكثر من مئة امرأة ويقتلون بها ثلاث مئة كبش من بني (فلان) العباس. ثم ينحدرون إلى الكوفة فيخربون ما حولها. ثم يخرجون متوجهين إلى الشام فتخرج راية هدى فتلحق ذلك الجيش، فيقتلونهم ولا يفلت منهم مخبر، ويستنقذون ما في أيديهم من السبي والغنائم. ويحل الجيش الثاني بالمدينة فينتهبونها ثلاثة أيام بلياليها. ثم يخرجون متوجهين إلى مكة حتى إذا كانوا بالبيداء بعث الله جبرئيل فيقول يا جبرئيل إذهب فأبدهم. فيضربها برجله ضربة يخسف بهم عندها، ولا يفلت منهم إلا رجلان من جهينة " البحار ج 52 ص 186.
[ 134 ]
وعن أمير المؤمنين قال " المهدي أقبل، جعد، بخده خال. يكون مبدؤه من قبل المشرق. فإذا كان ذلك خرج السفياني فيملك قدر حمل امرأة تسعة أشهر. يخرج بالشام فينقاد له أهل الشام الا طوائف مقيمين على الحق يعصمهم الله من الخروج معه. ويأتي المدينة بجيش جرار، حتى إذا انتهى إلى بيداء المدينة خسف الله به. وذلك قول الله عزوجل " ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت، وأخذوا من مكان قريب " غيبة النعمائي 163 والمحجة للبحراني ص 177. ومعنى قوله " أقبل " أي يقبل عندما يمشي بكل بدنه. و " جعد " أي في شعره جعد. وقوله " مبدؤه من قبل المشرق " أي مبدأ أمره بدولة الايرانيين الممهدين له. " فإذا كان ذلك " أي فإذا بدأ أمره وقامت دولتهم خرج السفياني. وليس في الحديث تعيين وقت خروجه، وأنه هل يكون مباشرة بعد قيام دولة الممهدين أو بعد سنين طويلة. ولكن التعبير يدل على نوع من الترتب والترابط بين دولة الايرانيين وخروج السفياني، وأن خروجه يكون عملا موجها ضدها، كما ذكرنا في أوائل الحديث عن حركته. وعن حنان بن سدير قال " سألت أبا عبد الله (أي الامام الصادق) عن خسف البيداء فقال " أما صهرا على البريد، على اثني عشر ميلا من البريد الذي بذات الجيش ". البحار ج 52 ص 181 وذات الجيش واد بين مكة والمدينة. وأما صهرا، موضع فيها. وفي مخطوطة ابن حماد عن محمد بن علي (أي الامام الباقر ) قال " سيكون عائذ بمكة يبعث إليه سبعون ألفا، عليهم رجل من قيس، حتى إذا بلغوا الثنية دخل آخرهم ولم يخرج منها أولهم. نادى جبرئيل: يا بيداء يا بيداء - يسمع مشارقها ومغاربها - خذيهم فلا خير فيهم. فلا يظهر على هلاكهم أحد الا راعي غنم في الجبل، ينظر إليهم حين ساخوا فيخبر بهم. فإذا سمع العائذ بهم، خرج " ص 90. وفيها ص 91 عن أبي قبيل قال " لا يفلت منهم أحد الا بشير ونذير، فأما
[ 135 ]
البشير فانه يأتي المهدي وأصحابه فيخبرهم بما كان من أمرهم، ويكون شاهد ذلك في وجهه قد حول الله وجهه إلى قفاه، فيصدقونه لما يرون من تحويل وجهه ويعلمون أن القوم قد خسف بهم. والثاني مثل ذلك قد حول الله وجهه إلى قفاه، فيأتي السفياني فيخبره بما نزل بأصحابه فيصدقه ويعلم أنه حق لما يرى فيه من العلامة. وهما رجلان من كلب ". وفيها ص 90 عن حفصة قالت " سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يأتي جيش من قبل المغرب يريدون هذا البيت، حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم، فيرجع من كان أمامهم لينظر ما فعل القوم فيصيبهم ما أصابهم، ثم يبعث الله تعالى كل امرئ على نيته " أي أن المجبور على المشاركة في جيش السفياني وان كان حسابه في الاخرة ليس كالمتطوع بإرادته، ولكنه يخسف به أيضا. وفي حديث آخر عن النبي صلى الله عليه وآله قال " عجبت لقوم مصرعهم واحد ومصادرهم شتى. فقيل كيف ذلك يارسول الله ؟ فقال: " لان فيهم المجبور والمستكره والمنتفر " أي يموتون في مكان واحد ولكن الله تعالى يحاسبهم في الاخرة على نياتهم، ومنهم المستكره خوفا على أهله وما شابه، ومنهم المساق جبرا، ومنهم المتطوع المستنفر برغبته. وفي رواية أن عدد جيش الخسف اثنا عشر ألفا، وليس سبعين ألفا. وفي رواية أخرى أنه يخسف بثلثهم، وتحول وجوه ثلثهم إلى أقفيتهم، ويبقى ثلثهم سالمين. مخطوطة ابن حماد ص 90 - 91. بداية تراجع السفياني بعد معجزة الخسف بجيشه في طريق مكة، يبدأ نجم السفياني بالنزول، بينما يأخذ نجم المهدي بالصعود والتلالوء.
[ 136 ]
ولا تذكر الاحاديث دورا عسكريا للسفياني في الحجاز بعد حادثة الخسف بقواته. مما يشير إلى أنها تكون القاضية على دوره في الحجاز. ولكن من المحتمل أن تبقى له قوات في المدينة المنورة تقاتل إلى جانب قوات حكومة (بني فلان) حيث ذكرت الاحاديث أن المهدي يتوجه بعد آية الخسف بجيشه المكون من بضعة عشر ألفا ويحررها وقد يخوض معركة مع أعدائه فيها. ومهما يكن فإن المهدي يفتح المدينة المنورة ويحرر الحجاز ويقضي على القوات المعادية، وينهزم جيش السفياني أمامه من الحجاز إلى العراق والشام. حيث تذكر الاحاديث معركة أو أكثر تدور في العراق بين جيش السفياني من جهة، وجيش المهدي وأنصاره الخراسانيين من جهة أخرى. معركة الاهواز الامر الطبيعي في العراق بعد أن تنهزم قوات السفياني على يد الممهدين الايرانيين واليمانيين أن يدخل تحت حكم المهدي وأنصاره، وأن تكون الهزيمة الجديدة للسفياني في الحجاز بطريق المعجزة عاملا مساعدا لتحكيم سيطرة أنصار المهدي على العراق. خاصة وأن الروايات تذكر أن قوات الممهدين تستقر في العراق بعد أن تهزم قوات السفياني وتبعث ببيعتها إلى الامام المهدي في الحجاز. فعن الامام الباقر قال " تنزل الرايات السود التي تخرج من خراسان (إلى) الكوفة. فإذا ظهر المهدي بعثت إليه بالبيعة ". البحار ج 52 ص 217 ورواه ابن حماد في مخطوطته ص 88 " تنزل الرايات السود التي
[ 137 ]
تقبل من خراسان الكوفة. فإذا ظهر المهدي بمكة بعثت بالبيعة إلى المهدي " ولكن مع وجود هذه العوامل التي يفترض بها أن ينهزم السفياني كليا من العراق. توجد روايات تتحدث عن معارك لقواته في العراق تخوضها هذه المرة مع القوة الموحدة للامام المهدي حيث يعين شعيب بن صالح قائد قوات الايرانيين قائدا عاما لقواته المتكونة في معظمها من قوات الايرانيين واليمانيين، والبلاد الاسلامية الاخرى. وتنفرد بعض الروايات بذكر معركة باب اصطخر، وتصفها بأنها الملحمة العظمى بين قوات السفياني وقوات المهدي . إصطخر مدينة قديمة في جنوب ايران في منطقة الاهواز، كانت عامرة في صدر الاسلام، وما زالت آثارها قرب مدينة " مسجد سليمان " النفطية. بل يروى أن مدينة اصطخر بناها بني الله سليمان ، وأنه كان يقضي فيها فصل الشتاء. وأن مسجد سليمان كانت مسجدا بناه هو . وتحدد روايتان مكان " بيضاء إصطخر " محلا لتجمع قوات الايرانيين، وهي تعني منطقة بيضاء في اصطخر، ويبدو أنها منطقة الربوات القريبة من مسجد سليمان التي تسمى بالفارسية " كوه سفيد " أي الجبل الابيض. بل تذكر روايتان أو ثلاث أن الامام المهدي عندما يتوجه من المدينة المنورة إلى العراق ينزل أولا في بيضاء اصطخر فيبايعه الايرانيون ويخوضون بقيادته معركتهم من بيضاء اصطخر مع جيش السفياني ويهزمونه. وعلى أثرها يدخل الامام المهدي العراق " في سبع قباب من نور لا يعلم في أيها هو " كما سنذكره في حركة الظهور.
[ 138 ]
جاء في مخطوطة أن حماد ص 86 عن علي قال " إذا خرجت خيل السفياني إلى الكوفة بعث في طلب أهل خراسان، ويخرج أهل خراسان في طلب المهدي، فيلتقي هو والهاشمي برايات سود على مقدمته شعيب بن صالح. فيلتقي هو وأصحاب السفياني بباب إصطخر فيكون بينهم ملحمة عظيمة، فتظهعر الرايات السود وتهرب خيل السفياني. فعند ذلك يتمنى الناس المهدي ويطلبونه ". ومعنى " فيلتقي هو والهاشمي " يلتقي المهدي والهاشمي الخراساني قائد قوات الايرانيين كما تنص الرواية الاتية. أي أن جماهير الايرانيين يخرجون في طلب المهدي لكي يبايعوه ويقاتلوا معه، ويتوجهون إلى جنوب ايران القريب من حدود الحجاز البرية عند البصرة، فيلتقي به قائدهم الهاشمي الخراساني وقواته. وهذا يعني أن الامام المهدي أرواحنا فداه يوافيهم إلى جنوب ايران بعد تحريره الحجاز، ثم تكون المعركة المذكورة مع قوات السفياني التي تشير الرواية إلى أنها تدخل جنوب ايران والعراق. ولعلها تدخلها هذه المرة عن طريق الخليج والبصرة، مع قوات الغربيين كما سيأتي. وتذكر رواية أخرى في مخطوطة ابن حماد ص 86 أن السفياني في غزوه العراق " يبث جنوده في الافاق " وهو اشارة إلى سعة نشر قواته في العراق وعلى الحدود العراقية الايرانية، وهو يساعد على افتراض وجود قوات بحرية للسفياني وحلفائه الروم في الخليج. وتذكر الرواية التالية مجئ المهدي إلى جنوب ايران، وتصف معركة باب اصطخر أو بيضاء اصطخر، ولكن في متنها اضطرابا مع الاسف " يبث السفياني جنوده في الافاق بعد دخوله الكوفة وبغداد، فيبلغه فزعة من وراء النهر من أهل خراسان، فيقبل أهل المشرق عليهم قتلا (أي على
[ 139 ]
جنود السفياني) فإذا بلغه ذلك بعث جيشا عظيما إلى إصطخر. فيلتقي هو (أي السفياني باعتبار قواته) والمهدي والهاشمي ببيضاء اصطخر فيكون بينهما ملحمة عظيمة حتى تطأ الخيل الدماء إلى أرساغها ". وتذكر الرواية الاولى التأثير الكبير الذي يكون لهزيمة جيش السفياني في معركة الاهواز هذه، في تفجير التيار الموالي للمهدي في شعوب المسلمين، حيث يتحركون للالتحاق بالمهدي ومبايعته " فعند ذلك يتمنى الناس المهدي ويطلبونه ". وأيا تكن روايات معارك السفياني في العراق بعد الخسف بجيشه في الحجاز، فإن مما لاشك فيه أنه يدخل بعدها في مرحلة التراجع والهزيمة. ويصبح همه المحافظة على منطقة حكمه بلاد الشام، وتقوية الخط الدفاعي الاخير عن فلسطين والقدس، والاستعداد لمواجهة زحف قوات المهدي . ولا تذكر له الروايات معارك أخرى مع المهدي وأنصاره سوى معركة الفتح الكبرى، فتح القدس وتحرير فلسطين، التي يكون فيها نهايته وهزيمة حلفائه اليهود والروم. السفياني في معركة فتح القدس يظهر من أحاديث هذه المعركة العظيمة أن السفياني يعاني من عدة مشكلات والحمد لله. أولها ضعف شعبيته في بلاد الشام. فأيا كانت القوى والظروف المساندة لحكم السفياني فإن أهل بلاد الشام مسلمون. وهم يرون آيات المهدي وكراماته، ويرون هزائم
[ 140 ]
طاغيتهم السفياني وخدمته لاعدائهم. لذلك يقوى فيهم تيار حب المهدي والميل إليه، والتذمر من السفياني وسياساته. بل المرجح عندي أن حركة شعبية واسعة النطاق موالية للمهدي تقوم في سوريا والاردن ولبنان وفلسطين. لان الاحاديث الشريفة تذكر أن المهدي يزحف بجيشه إلى بلاد الشام حتى يعسكر في " مرج عذراء " الذي هو ضاحية من ضواحي دمشق لا يبعد عنها أكثر من ثلاثين كيلومترا. وهو يدل على الاقل على أن السفياني يعجز عن حفظ حدوده، وعن مقاومة الزحف المبارك. بل تذكر الاحاديث أن السفياني يخلي عاصمته دمشق نفسها ويتراجع إلى داخل فلسطين، ويتخذ من " وادي الرملة " عاصمة أو مقرا لقيادته، التي ورد أن قوات الروم أو مارقة الروم تنزل فيها. كما ذكرت الاحاديث أن المهدي يتأنى في خوض المعركة، ويبقى فترة في ضاحية دمشق حيث ينضم إليه أبدال أهل الشام ومؤمنوها من بقي منهم لم يلتحق به. وأنه يطلب من السفياني أن يلتقي به شخصيا للحوار، فيلتقيان فيؤثر عليه المهدي فيبايعه السفياني، وينوي أن يستقيل ويسلمه المنطقة ولكن أقاربه، ومن وراءه يوبخونه بعدها ويردونه عن عزمه ! إن هذه الظواهر وغيرها مما نقرؤه في أحاديث المهدي قبيل معركة فتح القدس وتحرير فلسطين، لا تفسير لها بالحساب الطبيعي والسياسي إلا ضعف شعبية السفياني في بلاد الشام، ووجود تيار شعبي مؤيد للمهدي . بل تشير بعض الروايات إلى أن الامر يصل إلى حد أن بعض قوات السفياني وقطعات جيشه يبايعون المهدي وينضمون إليه،
[ 141 ]
فعن الامام الباقر قال " ثم يأتي الكوفة (أي المهدي ) فيطيل بها المكث ما شاء الله أن يمكث حتى يظهر عليها. ثم يأتي (مرج) العذراء هو ومن معه، وقد ألحق به ناس كثير، والسفياني يومئذ بوادي الرملة. حتى إذا التقوا وهو يوم الابدال يخرج أناس كانوا مع السفياني من شيعة آل محمد صلى الله عليه وآله، ويخرج ناس كانوا مع آل محمد صلى الله عليه وآله إلى السفياني، فهم من شيعته حتى يلحقوا بهم، ويخرج كل ناس إلى رايتهم. وهو يوم الابدال "، البحار ج 52 ص 224. وفي مخطوطة ابن حماد عن علي قال " إذا بعث السفياني إلى المهدي جيشا فخسف بهم بالبيداء، وبلغ أهل الشام قالوا لخليفتهم: قد خرج المهدي فبايعه وادخل في طاعته، وإلا قتلناك. فيرسل إليه بالبيعة. ويسير المهدي حتى ينزل بيت المقدس " ص 96. وهي رواية تصور غاية ما يصل إليه التيار الشعبي الموالي للمهدي والمعارض للسفياني. وفي ص 97 من مخطوطة ابن حماد " فيقول (أي المهدي) أخرجوا إلى ابن عمي حتى أكلمه. فيخرج إليه فيكلمه، فيسلم إليه الامر ويبايعه ! فإذا رجع السفياني إلى أصحابه ندمه كلب فيرجع ليستقيله فيقيله. ثم يعبئ جيوشه لقتاله، فيهزمه ويهزم الله على يديه الروم ". ومعنى " ندمه كلب أو ندمته كلب " أي جعلوه يندم على بيعته للمهدي. وكلب هم أخوال السفياني وكلب اسم عشيرتهم. والذين يجعلونه يندم في الحقيقة ويحفظون حكمه من السقوط أمام التيار الشعبي ويصرون عليه أن يخوض المعركة مع المهدي، هم من وراءه من اليهود والروم كما تشير إليه الرواية المتقدمة وغيرها. وكما سنذكره في معركة فتح القدس.
[ 142 ]
على أي حال، لا يتوفق السفياني للاستفادة من هذا الجو الشعبي، ومن الفرصة التي يمنحه إياها الامام المهدي ، ولا يتوفق مسلموا بلاد الشام لاسقاط حكمه وجيشه. ويقوم هو وحلفاؤه بتعبئة قواتهم للمعركة الفاصلة الكبرى التي تمتد محاورها كما تذكر الروايات من عكا إلى صور إلى أنطاكية في الساحل، ومن دمشق إلى طبرية إلى القدس في الداخل. وينزل غضب الله تعالى على السفياني وحلفائه وغضب المهدي وجيشه سلام الله عليه، وتظهر آيات الله على يديه، وتدور الدائرة على السفياني ومن وراءه من اليهود والروم فينهزمون شر هزيمة. وتكون نهاية السفياني أن يقبض عليه أحد جنود الامام المهدي فيقتلونه عند بحيرة طبرية أو عند مدخل القدس كما تذكر الروايات. وينهون ذلك حياة طاغية استطاع في خمسة عشر شهرا أن يرتكب من الجرائم مالا يستطيع أن يرتكبه غيره في سنين طويلة.
[ 143 ]
اليمن ودور هافى عصر الظهور وردت في ثورة اليمن الاسلامية الممهدة للمهدي أحاديث متعددة عن أهل بيت ، منها بضعة أحاديث صحيحة السند. وهي تؤكد على حتمية حدوث هذه الثورة وتصفها بأنها راية هدى تمهد لظهور المهدي وتنصره. بل تصفها عدة روايات بأنها أهدى الرايات في عصر الظهور على الاطلاق، وتؤكد على وجوب نصرتها مثل تأكيدها على نصرة راية المشرق الايرانية وأكثر. وتحدد الاحاديث وقتها بأنه مقارن لخروج السفياني في شهر رجب، أي قبل ظهور المهدي ببضعة شهور. وأن عاصمتها صنعاء. أما قائدها المعروف في الروايات باسم " اليماني " فتذكر رواية أن اسمه " حسن " أو " حسين " وأنه من ذرية زيد بن علي عليهما السلام. ولكنها قابلة للمناقشة في متنها وسندها. وهذه أهم أحاديث ثورة اليماني: عن الامام الصادق قال " قبل قيام القائم خمس علامات محتومات: اليماني، والسفياني، والصيحة، وقتل النفس الزكية، والخسف بالبيداء " البحار ج 52 ص 204.
[ 144 ]
وعنه قال " خروج السفياني واليماني والخراساني في سنة واحدة، في شهر واحد، في يوم واحد، نظام كنظام الخرز يتبع بعضه بعضا. فيكون البأس من كل وجه. ويل لمن ناواهم. وليس في الرايات راية أهدى من راية اليماني، هي راية حق لانه يدعو إلى صاحبكم. فإذا خرج اليماني حرم بيع السلاح على الناس. وإذا خرج اليماني فانهض إليه فان رايته راية هدى، ولا يحل لمسلم ان يلتوي عليه، فمن فعل ذلك فهو من أهل النار، لانه يدعو إلى الحق والى طريق مستقيم " بشارة الاسلام ص 93 عن غيبة النعماني. وعن الامام الرضا قال " قبل هذا الامر السفياني واليماني والمرواني وشعيب بن صالح. فيكف يقول هذا هذا " البحار ج 52 ص 233، وقال المجلسي رحمه الله " أي كيف يقول هذا الذي خرج أني القائم، يعني محمد بن ابراهيم، أو غيره " والمراد بالمرواني المذكور في الرواية قد يكون هو الابقع، أو يكون أصله الخراساني فوقع فيه التصحيف من النساخ. وعن الامام الصادق قال " خروج الثلاثة الخراساني والسفياني واليماني في سنة واحدة في شهر واحد في يوم واحد وليس فيها راية بأهدى من راية اليماني يهدي إلى الحق " البحار ج 52 ص 210. وعن هشام بن الحكم أنه لما خرج طالب الحق قيل لابي عبد الله (أي الامام الصادق): " أترجو أن يكون هذا اليماني ؟ فقال: لا. اليماني يتوالى عليا، وهذا يبرأ منه " البحار ج 52 ص 75 وفيها أيضا " اليماني والسفياني كفرسي رهان " أي كفرسي السباق يسعى كل منهما أن يسبق الاخر. وجاء في بعض الروايات عن المهدي أنه " يخرج من اليمن من قرية يقال لها كرعة " البحار ج 52 ص 380. ولا يبعد أن يكون
[ 145 ]
المقصود به اليماني الذي يبدأ أمره من هذه القرية. لان الثابت المتواتر في الاحاديث أن المهدي يخرج من مكة من المسجد الحرام. وفي بشارة الاسلام ص 187 " ثم يخرج ملك من صنعاء اسمه حسين أو حسن. فيذهب بخروجه غمر الفتن. يظهر مباركا زاكيا. فيكشف بنوره الظلماء، ويظهر به الحق بعد الخفاء " وفيما يلي عدة ملاحظات حول ثورة اليماني: منها ما يتعلق بدورها. فمن الطبيعي لثورة ممهدة للمهدي في اليمن ان يكون لها دور هام في مساعدة حركته ومساندتها في الحجاز. وعدم ذكر هذا الدور لليمانيين في الاحاديث الشريفة لا ينفيه، بل قد يكون من أجل المحافظة عليه وعدم الاضرار به. وسنذكر في حركة ظهوره أن القوة البشرية التي تقوم عليها حركته في مكة والحجاز ويتألف منها جيشه، تتكون بشكل أساسي من أنصاره الحجازيين واليمانيين. أما دور اليمانيين الممهدين في العراق فقد ذكرت الروايات أن اليماني يدخل العراق على أثر غزو السفياني له، فتبادر القوات اليمانية والايرانية لمواجهته. ويبدو من الاحاديث أن دورها في قتال السفياني يكون دور الاسناد للقوات الايرانية، لان لهجة الاخبار تشعر بأن الطرف المواجه للسفياني هم أهل المشرق أصحاب الخراساني وشعيب. وكأن اليمانيين يرجعون بعد مساندتهم لهم إلى اليمن. أما في منطقة الخليج فمن الطبيعي ان يكون لليمانيين الدور الاساسي فيها مضافا إلى الحجاز، وان لم تذكر ذلك الروايات. بل من الطبيعي
[ 146 ]
بمنطق أحداث الظهور وجغرافية المنطقة أن يكون حكم اليمن والحجاز وبلاد الخليج بعهدة قوات اليمانيين التابعة للمهدي . ومنها حول السبب في أن راية اليماني أهدى من راية الخراساني. مع أن راية الخراساني ورايات أهل المشرق عامة موصوفة بأنها راية هدى، وبأن قتلاهم شهداء، وأن الله تعالى يؤيد بهم الدين. ومع أن عددا كبيرا نسبيا من الايرانيين يكونون من وزراء المهدي وخاصة أصحابه. ومنهم قائد قواتهم شعيب بن صالح الذي يجعله المهدي قائد جيشه العام. ومع أن دور الايرانيين في التمهيد للمهدي دور واسع وفعال على كل الاصعدة. ولهم بعد ذلك فضل السبق والتضحيات حيث يبدأ أمر المهدي بحركتهم. إلى آخر ما ذكرته الاحاديث الشريفة وسنذكره في دورهم في عصر الظهور. فما هو السبب في أن ثورة اليماني ورايته أهدى من ثورة الايرانيين ورايتهم ؟ يحتمل أن يكون السبب في ذلك أن الاسلوب الاداري الذي يستعمله اليماني في قيادته السياسية وإدارة اليمن أصح وأقرب إلى النمط الاداري الاسلامي في بساطته وحسمه. بينما لا تخلو دولة الايرانيين من تعقيد الروتين وشوائبه. فيرجع الفرق بين التجربتين إلى طبيعة البساطة والقبيلة في المجتمع اليماني. وطبيعة الوراثة الحضارية والتركيب في المجتمع الايراني. ويحتمل أن تكون ثورة اليماني أهدى بسبب سياسته الحاسمة مع جهازه التنفيذي، سواء في اختياره من النوعيات المخلصة المطيعة فقط، ومحاسبته الدائمة والشديدة لهم، وهي السياسة التي يأمر الاسلام ولي الامر أن يتبعها مع عماله كما في عهد أمير المؤمنين إلى عامله في مصر مالك الاشتر رضي الله عنه، وكما ورد في صفات المهدي أنه
[ 147 ]
" شديد على العمال رحيم بالمساكين " بينما لا يتبنى الايرانيون هذه السياسة، ولا يعاقبون المسؤول المقصر أو الخائن لمصالح المسلمين على ملا الناس، ليكون عبرة لغيره. فهم يخافون أن يؤدي ذلك إلى تضعيف الدولة الاسلامية التي هي كيان الاسلام. ويحتمل أن تكون راية اليماني أهدى في طرحها الاسلامي العالمي، وعدم مراعاتها للعناوين الثانوية الكثيرة والمفاهيم والمعادلات المعاصرة القائمة، التي تعتقد الثورة الاسلامية الايرانية أنه يجب عليها أن تراعيها. ولكن المرجح ان يكون السبب الاساسي في أن ثورة اليماني أهدى أنها تحضى بشرف التوجيه المباشر من المهدي ، وأنها جزء مباشر من خطة حركته ، وأن اليماني يتشرف بلقائه ويأخذ توجيهه منه. ويؤيد ذلك أن أحاديث ثورة اليمانيين تركز على مدح شخص اليماني قائد الثورة وأنه " يهدي إلى الحق " ويدعو إلى صاحبكم " وانه " لا يحل لمسلم ان يلتوي عليه، فمن فعل ذلك فهو إلى النار ". أما ثورة الايرانيين الممهدة فالتركيز في أحاديثها على مدح جمهورها بعنوان أصحاب الرايات السود وأهل المشرق وقوم من المشرق. أكثر من مدح قادتها كما سيأتي في أحاديثها ما عدا شعيب بن صالح الذي يفهم من أحاديثه أنه متميز عن بقية قادة الرايات السود، ويليه في المدح السيد الخراساني، ثم رجل قم. ويؤيد ذلك أيضا ان ثورة اليماني قريبة من حركة ظهوره بالنسبة إلى ثورة الايرانيين الممهدين، حتى لو فرضنا ان اليماني يخرج قبل السفياني أو أنه يماني آخر يمهد لليماني الموعود. بينما بداية ثورة الايرانيين على يد رجل من قم تكون مبكرة حيث يبدأ بها أمر المهدي . " يكون مبدؤه من المشرق " والمدة بين بدايتها وبين الخراساني وشعيب قد تكون عشرين أو خمسين سنة، أو ما شاء الله من الزمان. ومثل هذه
[ 148 ]
البداية المبكرة إنما تقوم على اجتهاد الفقهاء واجتهاد وكلائهم السياسيين، ولا تتوفر لها ظروف النقاء والنصاعة التي تتوفر لثورة اليماني الموجهة مباشرة من الامام المهدي . ومنها حول احتمال أن يكون اليماني متعددا، ويكون الثاني منهما هو اليماني الموعود. فقد نصت الروايات المتقدمة على أن ظهور اليماني الموعود مقارن لظهور السفياني، أي في سنة ظهور المهدي . ولكن توجد رواية أخرى صحيحة السند عن الامام الصادق تقول " يخرج قبل السفياني مصري ويماني " البحار ج 52 ص 210 عن غيبة الطوسي. وعليه فيكون هذا اليماني الاول ممهدا لليماني الموعود كما يمهد الرجل من قم وغيره من أهل المشرق للخراساني وشعيب الموعودين. أما وقت خروج هذا اليماني الاول، فقد حددت الرواية الشريفة أنه قبل السفياني فقط. وقد يكون قبله بمدة قليلة أو سنين طويلة. والله العالم. ومنها خبر " كاسر عينه بصنعاء " الذي رواه في البحار ج 52 ص 245 عن عبيد بن زرارة عن الامام الصادق قال " ذكر عند أبي عبد الله السفياني فقال: أنى يخرج ذلك ولم يخرج كاسر عينه بصنعاء " وهو من الاحاديث الملفتة الواردة في مصادر الدرجة الاولى مثل غيبة النعماني ولعله صحيح السند. ويحتمل أن يكون هذا الرجل الذي يظهر قبل السفياني يمانيا ممهدا لليماني الموعود كما ذكرنا، ويحتمل في تفسير " كاسر عينه " عدة احتمالات أرجحها أنه وصف رمزي مقصود من الامام الصادق لا يتضح معناه الا في حينه.
[ 149 ]
مصر واحداثها في عصر الظهور أحاديث الملاحم التي وردت حول مصر متعددة. ابتداء من أحاديث بشارة النبي صلى الله عليه وآله للمسلمين بفتحهم مصر، إلى أحاديث غلبة المغاربة على مصر في أحداث ثورة الفاطميين، إلى أحداث عصر ظهور المهدي الموعود . وتختلط أحداث ظهور المهدي بأحداث إقامة الدولة الفاطمية في مصادر الملاحم، لان أحاديث المهدي تتضمن أيضا دخول الجيش المغربي إلى مصر. وطريقة تمييزها وجود النص فيها على اتصالها بظهور المهدي ، أو اتصالها بحدث معلوم أنه من أحداث عصر ظهوره، مثل خروج السفياني وغيره. ومع أخذ هذه الملاحظة بعين الاعتبار تبقى بأيدينا عدة أحاديث ذكرت أحداثا في مصر من المؤكد أنها من أحداث عصر ظهور المهدي ، أو من المرجح أنها منها. منها أحاديث عن " قتل أهل مصر أميرهم " وقد ورد هذا الحديث بعنوان إحدى علامات ظهور المهدي، كما في بشارة الاسلام ص 175 نقلا عن الارشاد للمفيد.
[ 150 ]
ويوجد تعبير آخر كثر تذاكره على ألسنة الناس في عصرنا يقول " وقتل أهل مصر ساداتهم " و " غلبة العبيد على بلاد السادات " بشارة الاسلام ص 176، على أساس أنه ينطبق على قتل أنور السادات، ولكنه اشتباه، لان السادات في هذه النصوص بمعنى الرؤساء وليس إسم علم. ولان أمير مصر الذي يكون قتله علامة لظهور المهدي يتبعه كما يذكر الحديث دخول جيش أو أكثر إلى مصر، وقد يكون هو الجيش الغربي أو المغربي الذي سنذكره. بل تذكر بعض الروايات أن قتله يترافق مع قتل أهل الشام حاكمهم، ففي بشارة الاسلام ص 185 نقلا عن القول المختصر لابن حجر قال " السادس عشر: " يقتل قبله ملك الشام وملك مصر ". ومن القريب أيضا أن يكون لقتل حاكم مصر علاقة بالرواية التي تتحدث عن رجل مصري صاحب ثورة يخرج قبل السفياني، ففي البحار ج 52 ص 210 قال " يخرج قبل السفياني مصري ويماني " وهذا المصري قد يكون أميرا الامراء أي قائد الجيش الذي ذكرت بعض الروايات أنه يتحرك في مصر ويعلن حالة الحرب " وقام بمصر أمير الامراء وجهزت الجيوش ". وقد يكون هو أيضا المذكور في رواية أخرى بأنه يدعو لال محمد صلى الله عليه وآله قبل دخول القوات الغربية الاتي ذكرها ويخرج أهل الغرب إلى مصر، فإذا دخلوا فتلك إمارة السفياني، ويخرج قبل ذلك من يدعو لال محمد صلى الله عليه وآله " البحار ج 52 ص 208. وقد يكون الرجل المصري، وأمير الامراء، والذي يدعو لال محمد، ثلاثة أشخاص لاشخصا واحدا. وعلى أي حال، فأن هذه الاحاديث تدل بمجموعها على قيام تحرك في مصر وثورة اسلامية ممهدة لظهور المهدي ، أو في الاقل على
[ 151 ]
وجود حالة إسلامية متفاقمة، وأنه يحدث في مصر تغيير داخلي يرتبط بوضع خارجي من الحرب والسلم. ومنها، حديث غلبة القبط على أطراف مصر، فعن أمير المؤمنين أنه قال في علامات ظهور المهدي " وغلبة القبط على أطراف مصر " بشارة الاسلام ص 42 نقلا عن المناقب لابن شهر اشوب. وقد يكون ذلك والمقصود فيما رواه ابن حماد في مخطوطته ص 78 عن أبي ذر رحمه الله قال " ليخرجن من مصر الامن. قال خارجة قلت لابي ذر: فلا إمام جامع حين يخرج. قال: لا، بل تقطعت أقرانها " وما رواه عن كعب ايضا قال " لتفتن مصر فت البعرة ". والحاصل من ذلك أن أقباط مصر يثيرون فتنة فيها، ويخرجون عن سلطة دولتها، ويسيطرون على بعض أطرافها، فيسبب ذلك ضعفا في وضع مصر الامني والاقتصادي. ومن الطبيعي أن يكون ذلك بتحريك أعداء المسلمين من الخارج حيث لم يعهد لاقباط مصر في تاريخهم تحرك هام ضد المسلمين إلا بمساعدة خارجية، كما حدث في حملات الصليبيين، وكما هو الحال في عصرنا الحاضر. أما وقت ذلك فلا تشير له الروايات المذكورة وأمثالها، ولكن تقول رواية أخرى عن حذيفة رحمه الله " إن مصر أمنت من الخراب حتى تخرب البصرة " بشارة الاسلام ص 28 نقلا عن ابن عربي في كتابه " محاضرة الابرار " وفيها أيضا " وخراب مصر من جفاف النيل ". والظاهر أن خراب البصرة الموعود في عصر الظهور يقع بعد قيام دولة الممهدين الايرانيين، أو بعد احتلال السفياني للعراق في سنة ظهور المهدي .
[ 152 ]
ومنها، حديث دخول القوات المغربية إلى مصر، ويذكر المؤلفون هذه العلامة عادة في علامات طهور المهدي . والمقصود بالمغرب فيها وفي الروايات الاخرى مغرب البلاد الاسلامية، الذي يشمل دولة المغرب والجزائر وليبيا وتونس. ولكني تتبعت رواياتها إلى حدما فلم أجد رواية واضحة الدلالة على ذلك، بل وجدت العديد منها ينطبق على دخول قوات المغاربة إلى مصر في الثورة الفاطمية. ووجدت رواية في كتاب غيبة الطوسي ص 278 الذي هو من أقدم المصادر وأوثقها، ولكنها تذكر أهل الغرب وليس أهل المغرب. وكذلك نقلها عنه صاحب بحار الانوار، وصاحب بشارة الاسلام، وقد اشتبه بعضهم غيرهما فنقلها " المغرب ". وتحدد هذه الرواية وقت دخول أهل الغرب إلى مصر بأنه قبيل خروج السفياني في دمشق، وهي فقرة من رواية طويلة عن عمار بن ياسر رحمه الله قال " إن دولة أهل بيت نبيكم في آخر الزمان. ولها إمارات. ويخرج أهل الغرب إلى مصر، فإذا دخلوا فتلك إمارة السفياني " ولا يبعد ان تكون رواية الطوسي المتوفى سنة 460 قد سره، هي الاصل لما نقله المتأخرون عنه، وأنه وقع تصحيف الغرب بالمغرب. ولابد أن يكون دخول هذه القوات الغربية كما نرجح، أو المغربية، على أثر حدث يقع في مصر يستوجب تحركها. ويبدو أنها قوات معادية للاسلام وللمصريين وأنها تحاول دخول مصر فإذا تمكنت من دخولها كان ذلك علامة على خروج السفياني في دمشق، وسيطرته على بلاد الشام. وبما أن السفياني يخرج قبل ظهور المهدي ببضعة أشهر، فيكون مجئ هذه القوات في سنة الظهور أو نحوها. وقد ذكرت بعض الروايات أن السفياني يقاتل أهل مصر ويدخلها ويرتكب فيها الجرائم أربعة اشهر. والارجح أنها من روايات المبالغة في أمر
[ 153 ]
السفياني حيث لم ترد لذلك إشارة في مصادر الدرجة الاولى. كما تذكر بعض أحاديث الابقع الذي يقتله السفياني في دمشق أنه مصري، أوله علاقة بمصر، والله العالم. ومنها، حديث ان المهدي يجعل مصر منبرا. وقد ورد ذلك في رواية عباية الاسدي عن علي قال " سمعت أمير المؤمنين وهو مشتكي (متكي) وأنا قائم عليه قال: لابنين بمصر منبرا، ولانقضن دمشق حجرا حجرا، ولاخرجن اليهود والنصارى من كل كور العرب، ولاسوقن العرب بعصاي هذه قال، قلت: كأنك تخبر أنك تحيا بعد ما تموت ؟ فقال: هيهات يا عباية قد ذهبت في غير مذهب. يفعله رجل مني " البحار ج 53 ص 60. وعن علي في المهدي وأصحابه قال " ثم يسيرون إلى مصر فيصعد منبره (منبرها)، فيخطب الناس، فتستبشر الارض بالعدل، وتعطي السماء قطرها، والشجر ثمرها، والارض نباتها، وتتزين لاهلها، وتأمن الوحوش حتى ترتعي في طرق الارض كالانعام. ويقذف في قلوب المؤمنين العلم، فلا يحتاج مؤمن إلى ما عند أخيه من العلم. فيومئذ تأويل الاية " يغني الله كلا من سعته " بشارة الاسلام ص 71. ويفهم من هاتين الروايتين أنه سيكون لمصر في دولة الاسلام العالمية على يد المهدي مركز علمي وإعلامي متميز في العالم. خاصة بملاحظة تعبير " لابنين بمصر منبرا " وتعبير " ثم يسيرون إلى مصر فيصعد منبره " أي يسير المهدي وأصحابه إلى مصر، لالكي يفتحها أو يثبت أمر حكمه لها، بل لتستقبله هو وأصحابه أرواحنا فداهم، ولكي يصعد منبره الذي يكون اتخذه فيها كما وعد جده أمير المؤمنين عليهما السلام، وليوجه خطابه من هناك إلى أهل مصر والعالم. وكون مصر منبر علم المهدي
[ 154 ]
ومنطلق صوته إلى العالم، لا ينافي المستوى العلمي الذي دلت هذه الرواية وغيرها ان المسلمين يبلغونه في عصره، لان أمر العلم يبقى نسبيا. ومنها، أن للمهدي في هرمي مصر كنوزا وذخائر من العلوم وغيرها، وقد ورد خبرها في مصادر الدرجة الاولى كما في كتاب كمال الدين للصدوق ص 5 - 564 في رواية عن أحمد بن محمد الشعراني الذي هو من ولد عمار بن ياسر رضي الله عنه عن محمد بن القاسم المصري أن ابن أحمد بن طولون شغل ألف عامل في البحث عن باب الهرم سنة فوجدوا صخرة مرمر وخلفها بناء لم يقدروا على نقضه وأن اسقفا من الحبشة قرأها وكان فيها عن لسان أحد الفراعنة قوله " وبنيت الاهرام والبراني، وبنيت الهرمين وأودعتهما كنوزي وذخائري " فقال ابن طولون " هذا شئ ليس لاحد فيه حيلة إلا القائم من آل محمد صلى الله عليه وآله " وردت البلاطة كما كانت مكانها " وفي هذه الرواية نقاط ضعف قد تكون من اضافة بعض الرواة، ولكن فيها نقاط قوة تستوجب الالتفات. والله العالم. ومنها، حديث " أخنس مصر " الذي رواه صاحب كنز العمال في البرهان ص 200 نقلا عن تاريخ ابن عساكر عن النبي صلى الله عليه وآله قال " سيكون بمصر رجل من قريش أخنس (وفي فيض القدير للمناوي ج 2 ص 131 من بني أمية) يلى سلطانا ثم يغلب عليه أو ينزع منه، فيفر إلى الروم، فيأتي بهم إلى الاسكندرية فيقاتل أهل الاسلام بها، وذلك أؤل الملاحم " فقد يكون المقصود بالملاحم ملاحم ظهور المهدي ، وببني أمية خطهم.
[ 155 ]
المغرب الاسلامي واحداث عصر الظهور ورد ذكر المغاربة في أحاديث متعددة من أحاديث عصر ظهور المهدي ، وهي مختلطة كما ذكرنا بأحاديث الحركة الفاطمية التي كان المسلمون يروون أحاديثها قبل وقوعها، وكانت من أخبار الملاحم ودلائل نبوة النبي صلى الله عليه وآله. ولكن بعض أحاديث المغاربة ينص على تحرك لهم في عصر ظهور المهدي ، ولا علاقة له بتحرك الفاطميين. أو توجد فيه أو في غيره قرائن على أنه يقع في عصر الظهور. ومن أبرز ذلك أحاديث دخول الجيش المغربي إلى سوريا والاردن قبيل حركة السفياني، كما ذكرنا في محله. وتذكر الروايات أدوارا للجيش المغربي، أو أهل المغرب، أو خيل من المغرب، أو المغربي، أو الرايات الصفر. في كل من بلاد الشام، ومعركة قرقيسيا على الحدود السورية العراقية التركية، وفي العراق. من قبيل ما رواه ابن حماد في مخطوطته ص 73 " إذا اصطكت الرايات الصفر والسود في سره الشام، فالويل لساكنها من الجيش المهزوم، ثم الويل لها من الجيش الهازم. وويل لهم من المشوه الملعون " والمشوه الملعون من الاوصاف الخاصة
[ 156 ]
بالسفياني. وفي ص 71 " يلتقي أصحاب الرايات السود وأصحاب الرايات الصفر عند القنطرة فيقتتلون حتى يأتوا فلسطين، فيخرج على أهل المشرق السفياني. فإذا نزل أهل المغرب الاردن مات صاحبهم، فيفترقون ثلاث فرق، فرقة ترجع من حيث جاءت وفرقة تحج، وفرقة تثبت فيقاتلهم السفياني فيهزمهم فيدخلون في طاعته ". وفي ص 70 " إن صاحب المغرب وبني مروان وقضاعة تجتمع على الرايات السود من بطن الشام ". والذي يفهم من مجموع أخبار تحركات القوات المغربية في عصر الظهور أنها أشبه بقوات ردع عربية أو دولية تستعمل ضد تحرك الممهدين للمهدي . فهي في بلاد الشام تحارب رايات المشرق أي الايرانيين الممهدين، وتنهزم أمامهم وتنسحب إلى الاردن كما ذكرنا في أحداث الشام. وكذلك يكون دورها في العراق الذي تذكره بعض الروايات. أما روايات مشاركة القوات المغربية في حرب قرقيسيا فهي على إجمالها لا تدل على أن دورها لمصلحة الاسلام، سواء فرضنا أنها تكون إلى جانب الترك في مواجهة السفياني، أو إلى جانب السفياني. لان أطراف معركة قرقيسيا كلهم مذمومون وموصوفون بأنهم جبابرة. يبقى دور هذه القوات في مصر على فرص صحته، فلا دليل على أنه يكون دورا لمصلحته الاسلام ومصلحة الشعب المصري، بل المرجح أن تكون مهمتها مثلا حفظ حدود اسرائيل عندما تعجز الحكومة المصرية عن منع الشعب المصري والجيش المصري من القيام بعمليات جهادية ضد اليهود. أو تكون مهمتها المحافظة على الاقباط من ردة فعل المسلمين على تحركهم المتقدم. أو
[ 157 ]
تكون قوات ردع عربية تستقدمها الحكومة المصرية في مرحلة من مراحل ضعفها أمام تصاعد المد الاسلامي المؤيد للمهدي ، واضطراب قواتها المسلحة المتقدم. والله أعلم.
[ 159 ]
العراق ودوره في عصر الظهور الاحاديث الواردة حول أحداث العراق وأوضاعه في عصر الظهور كثيرة، يظهر منها أن العراق يكون ساحة صراع لا تهدأ بين قوى متعددة. وأنه تمر عليه أربعة عهود أو فترات: الفترة الاولى: فترة تسلط الجبابرة على العراق مدة طويلة قبل ظهور المهدي ، وشمول أهله قتل ذريع وخوف لايقر لهم معه قرار. إلى أن يحرره الممهدون أصحاب الرايات السود. الفترة الثانية: قيام حكم الاسلامي فيه، وصراع النفوذ فيه بين الاتجاه المؤيد للخراسانيين الممهدين، والاتجاه المؤيد للسفياني حاكم بلاد الشام. الفترة الثالثة: احتلال السفياني العراق، وتنكيله بأهله، ثم دخول جيش اليمانيين والايرانيين الممهدين، وهزيمتهم جيش السفياني وطرده من العراق. الفترة الرابعة: تحرير الامام المهدي العراق، وتطهيره من مؤيدي السفياني، وفئات الخوارج، وغيرهم. واتخاذه مقرا له وعاصمة لدولته. وقد وردت روايات عن أحداث فيه خلال هذه المراحل الاربع مثل:
[ 160 ]
خروج الشيصباني المعادي للمهدي قبل السفياني. وشهادة نفس زكية بظهر الكوفة في سبعين من الصالحين. وخروج عوف السلمي من الجزيرة أو تكريت. ومنع أهل العراق من الحج ثلاث سنين. وخسف البصرة وخرابها قبيل ظهور المهدي ، وخسف في بغداد والحلة. ودخول قوات مغربية أو غربية إلى العراق. وخروج أحد الصالحين في مجموعة قليلة لمقاومة جيش السفياني. وخروج عدة فئات من الخوارج على المهدي من الشيعة والسنة. ولعل أخطر فئة منهم خوارج " رميلة الدسكرة " الواقعة قرب شهربان في محافظة ديالى. وفيما يلي نستعرض هذه الفترات بشئ من التفصيل. الفترة الاولى والثانية وأبرز ما في أحاديثها شدة البلاء على أهل العراق من حكامه الجبابرة، واختلاف هؤلاء الحكام مع أصحاب الرايات السود الايرانيين. فعن جابر بن عبد الله الانصاري رحمه الله قال " يوشك أهل العراق أن لا يجبى إليهم قفيز ولا درهم. قلنا: من أين ذلك ؟ قال: من قبل العجم يمنعون ذلك " البحار ج 51 ص 92. والقفيز كيل للغلات، والمعنى أنه لا يكاد يصل إليهم مواد تموينية أو مساعدات مالية، بسبب الايرانيين وحربهم معهم. وقد تكون هذه الازمة هي الجوع والخوف الموعود الذي وردت فيه رواية عن جابر الجعفي قال " سألت أبا جعفر محمد بن علي (أي الامام الباقر) عن قول الله تعالى " ولنبلونكم بشئ من الخوف والجوع " فقال: " يا جابر ذلك خاص وعام. فأما الخاص من الجوع فالكوفة (فبالكوفة) يخص الله به أعداء آل محمد فيهلكهم. وأما
[ 161 ]
العالم فبالشام يصيبهم خوف وجوع ما أصابهم قط. أما الجوع فقبل قيام القائم. وأما الخوف فبعد قيام القائم " البحار ج 52 ص 229، ولا أجد وجها لان يكون الجوع خاصا بأعداء أهل البيت إلا أن يكون أزمة اقتصادية تعاني منها حكومة الجبابرة في العراق. وهذا الخوف المذكور في بلاد الشام بعد ظهور المهدي ، لا ينفي وجوده قبل ظهوره، وقد نصت الرواية التالية على أنه يكون شديدا في العراق قبل الظهور، فعن الامام الباقر قال " يزجر الناس قبل قيام القائم عن معاصيهم بنار تظهر لهم في السماء، وحمرة تجلل السماء، وخسف ببغداد، وخسف ببلدة البصرة، ودماء تسفك بها، وخراب دورها، وفناء يقع في أهلها. وشمول أهل العراق خوف لا يكون معه قرار " البحار ج 52 ص 221 - 222، وليس من الضروري أن تكون هذه العلامات متسلسلة حسب ما وردت في الرواية، بل قد يكون الخوف والخسف قبل الايات السماوية. والظاهر أن نار السماء وحمرتها آية ربانية وليست نار انفجارات مثلا. وتذكر الرواية التالية عن أمير المؤمنين عدة أحداتث في العراق في مرحلة حكم الجبابرة قبل السفياني وظهور المهدي . فعن أنس بن مالك قال " لما رجع أمير المؤمنين على بن أبي طالب من قتال أهل النهروان نزل براثا وكان بها راهب في قلايته وكان اسمه الحباب، فلما سمع الراهب الصيحة والعسكر أشرف من قلايته إلى الارض فنظر إلى عسكر أمير المؤمنين فاستفظع ذلك ونزل مبادرا فقال: من هذا، ومن رئيس هذا العسكر ؟ فقيل له: هذا أمير المؤمنين وقد رجع من قتال أهل النهروان. فجاء الحباب مبادرا يتخطى الناس حتى وقف على أمير المؤمنين فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين حقا حقا. فقال له: وما علمك بأني أمير المؤمنين حقا حقا ؟ قال له: بذلك أخبرنا علماؤنا وأحبارنا. فقال له: يا حباب، فقال الراهب: وما علمك باسمي ؟ !
[ 162 ]
فقال: أعلمني بذلك حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال له الحباب: مد يدك فأنا أشهد أن لا اله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأنك علي بن أبي طالب وصيه. فقال له أمير المؤمنين : وأين تأوي ؟ فقال: أكون في فلاية لي هاهنا. فقال له أمير المؤمنين عليه السلم: بعد يومك هذا لا تسكن فيها، ولكن إبن هاهنا مسجدا وسمه باسم بانيه. (فبناه رجل اسمه براثا فسمي المسجد ببراثا باسم الباني له) ثم قال: ومن أين تشرب يا حباب ؟ فقال: يا أمير المؤمنين من دجلة هاهنا. قال: فلم لا تحفر عينا أو بئرا ؟ فقال له: يا أمير المؤمنين كلما حفرنا بئرا وجدناها مالحة غير عذبة. فقال له أمير المؤمنين : إحفرها هنا بئرا، فحفر، فخرجت عليهم صخرة لم يستطيعوا قلعها، فقلعها أمير المؤمنين فانقلعت عن عين أحلى من الشهد، وألذ من الزبد. فقال له: يا حباب يكون شربك من هذه العين. أما إنه يا حباب ستبنى إلى جنب مسجدك هذا مدينة وتكثر الجبابرة فيها، ويعظم البلاء، حتى أنه ليركب فيها كل ليلة جمعة سبعون ألف فرج حرام. فإذا عظم بلاؤهم شدوا على مسجدك بفطوة ثم - وابنه بنين ثم وابنه لا يهدمه الا كافر ثم بيتا - فإذا فعلوا ذلك منعوا الحج ثلاث سنين، واحترقت خضرهم وسلط الله عليهم رجلا من أهل السفح لا يدخل بلدا الا أهلكه وأهلك أهله. ثم ليعد عليهم مرة أخرى، ثم يأخذههم القحط والغلا ثلاث سنين حتى يبلغ بهم الجهد. ثم يعود عليهم، ثم يدخل البصرة فلا يدع فيها قائمة الا سخطها وأهلكها وأسخط أهلها. وذلك إذا عمرت الخربة وبني فيها مسجد جامع، فعند ذلك هلاك البصرة. ثم يدخل مدينة بناها الحجاج يقال لها واسط، فيفعل مثل ذلك، ويتوجه نحو بغداد فيدخلها عفوا، ثم يلتجئ الناس إلى الكوفة. ولا يكون بلد من الكوفة تشوش الامر له. ثم يحرج هو والذي أدخله بغداد نحو قبري لينبشه فيتلقاهما السفياني فيهزمهما، ثم يقتلهما، ويوجه جيشا نحو الكوفة فيستعبد بعض أهلها. ويجئ رجل من أهل الكوفة فيلجؤهم إلى سور فمن لجأ إليها أمن. ويدخل جيش السفياني
[ 163 ]
إلى الكوفة فلا يدعون أحدا إلا قتلوه، وان الرجل منهم ليمر بالدرة المطروحة العظيمة فلاي تعرض لها، ويرى الصبي الصغير فيلحقه فيقتله. فعند ذلك يا حباب يتوقع بعدها هيهات هيهات وأمور عظام، وفتن كقطع الليل المظلم. فاحفظ عني ما أقول لك يا حباب " البحار ج 52 ص 217 - 219. والتشويش في نص هذه الرواية ظاهر، وقد قال المجلسي رحمه الله بعد نقلها " إعلم أن النسخة كانت سقيمة فأوردت الخبر كما وجدته " وأمر سندها ومتنها قابل للمناقشة، ولكن مهما يكن أمر صحتها فهي تتضمن أمورا عما يعانيه أهل العراق من حكم الجبابرة وبطشهم وردت في روايات أخرى بعضها صحيح.. وقد يكون الاحداث المذكورة فيها من هدم مسجد براثا وتفاقم الفساد في بغداد وتسلط قادة عسكريين عليها من جبال كردستان أو ايران وغيرها. قد مرت وحدثت في القرون السابقة. ولكن الاحداث المتعلقة بالسفياني لم تحدث. قال الشيخ المفيد " قد جاءت الاثار بذكر علامات لزمان قيام القائم المهدي ، وحوادث تكون أمام قيامه، وآيات ودلالات. فمنها خروج السفياني. وقتل الحسني. واختلاف بني العباس في الملك الدنياوي. وكسوف الشمس في النصف من رمضان، وخسوف القمر في آخره على خلاف العادات. وخسف بالبيداء. وخسف بالمغرب. وخسف بالمشرق. وركود الشمس من عند الزوال إلى أوسط أوقات العصر. وطلوعها من المغرب. وقتل نفس زكية بظهر الكوفة في سبعين من الصالحين. ذبح رجل هاشمي بين الركن والمقام. وهدم حائط مسجد الكوفة. واقبال رايات سود من قبل خراسان. وخروج اليماني. وظهور المغربي بمصر وتملكه الشامات. ونزول الترك الجزيرة. ونزول الروم الرملة. وطلوع نجم بالمشرق يضئ كما يضئ القمر، ثم ينعطف حتى يكاد
[ 164 ]
يلتقي طرفاه. وحمرة تظهر في السماء وتنتشر في آفاقها. ونار تظهر بالمشرق طويلا وتبقى في الجو ثلاثة أيام أو سبعة أيام. وخلع العرب أعنتها وتملكها البلاد. وخروجها عن سلطان العجم. وقتل أهل مصر أميرهم. وخراب الشام، واختلاف ثلاث رايات فيه. ودخول رايات قيس والعرب إلى مصر. ورايات كندة إلى خراسان. وورود خيل من قبل الغرب حتى تربط بفناء الحيرة. واقبال رايات سود من المشرق نحوها. وبثق في الفرات حتى يدخل الماء أزقة الكوفة. وخروج ستين كذابا كلهم يدعي النبوة. وخروج اثني عشر من آل أبي طالب كلهم يدعي الامامة لنفسه. واحراق رجل عظيم القدر من بني العباس بين جلولاء وخانقين. وعقد الجسر مما يلي الكرخ بمدينة السلام. وارتفاع ريح سوداء بها في أول النهار. وزلزلة حتى ينخسف كثير منها. وخوف يشمل أهل العراق وبغداد، وموت ذريع فيه، ونقص من الاموال والانفس والثمرات. وجراد يظهر في أوانه وفي غير أونه، حتى يأتي على الزرع والغلات. وقلة ريع لما يزرعه الناس. واختلاف صنفين من العجم وسفك دماء كثيرة فيما بينهم. وخروج العبيد عن طاعات ساداتهم وقتلهم مواليهم. ومسخ لقوم من أهل البدع حتى يصيروا قردة وخنازير. وغلبة العبيد على بلاد السادات. ونداء من السماء حتى يسمعه أهل الارض، كل أهل لغة بلغتهم. ووجه وصدر يظهران للناس في عين الشمس. وأموات ينشرون من القبور حتى يرجعوا إلى الدنيا فيتعارفون ويتزاورون. ثم يختم ذلك بأربع وعشرين مطرة، تتصل فتحيا به (بها) الارض بعد موتها، وتعرف بركاتها. ويزول بعد ذلك كل عاهة عن معتقدي الحق من شيعة المهدي . فيعرفون عند ذلك ظهوره بمكة فيتوجهون نحوه
[ 165 ]
لنصرته، كما جاءت بذلك الاخبار. ومن جملة (وجملة من) هذه الاحداث محتومة، ومنها مشروطة. والله أعلم بما يكون، وانما ذكرناها على حسب ما ثبت في الاصول، وتضمنها الاثر المنقول. وبالله نستعين " الارشاد ص 336 وفي البحار ج 52 ص 219 - 221. وما ذكره تعداد مجمل لعلامات الظهور البعيدة والقريبة، ولا يقصد أنها متسلسلة حسب ما عددها أيضا فمنها علامات قريبة لا يفصلها عن ظهوره أكثر من أسبوعين، مثل قتل النفس الزكية أو الرجل الهاشمي بين الركن والمقام. بل هو في الحقيقة جزء من حركة الظهور لانه رسول المهدي . ومنها ما يفصله عن ظهور المهدي قرون عديدة مثل اختلاف بني العباس فيما بينهم، وظهور المغربي في مصر وتملكه الشامات في حركة الفاطميين. وقصده بالمحتوم والمشروط من هذه العلامات أن منها حتمي الوقوع على كل حال، كما ورد في عدة علامات النص على حتميتها، مثل السفياني واليماني وقتل النفس الزكية والنداء السماوي والخسف بجيش السفياني وغيرها. ومنها مشروط بأحداث أخرى في علم الله سبحانه ومقاديره، والله الامر من قبل ومن بعد، فيها وفي غيرها. ويبدو أن المقصود بالحسني النفس الزكية في مكة، أو الغلام الذي يقتله جيش السفياني في المدينة قرب ظهور المهدي . وإن كان يحتمل أنه سيد حسني صاحب حركة الاسلامية في العراق، فقد ورد في بعض الروايات " وتحرك الحسني ". أما " قتل نفس زكية بظهر الكوفة في سبعين من الصالحين " فلا يبعد أن ينطبق على الشهيد السعيد آية الله الصدر والكوكبة الصالحة من العلماء
[ 166 ]
والمؤمنين الذين استشهدوا معه فقد كان عددهم سبعين رضوان الله عليهم. وظهر الكوفة هو النجف، وتسمى في الاحاديث أيضا نجف الكوفة ونجفة الكوفة أي مرتفعها وجبلها. وتسمى الغري والغريين، باسم عمودين بناهما النعمان بن المنذر ملك الحيرة وغراهما بالبياض أي صبغهما باللون الابيض. ولا يلزم أن يكون قتلهم في نفس ظهر الكوفة، ولعل الاصل " وقتل نفس زكية من ظهر الكوفة " أي أنه من أهل النجف ومقيميها، أما السبعين فلا ينص قول المفيد رحمه الله ولا الحديث الوارد فيهم على أنهم من ظهر الكوفة بل يستشهدون مع النفس الزكية الذي هو من ظهر الكوفة. وقد وردت روايات في خيل المغرب التي تنزل في فناء الحيرة، أي تستقر قرب الكوفة، وأن هذا الحدث يكون في أيام السفياني أو قربه. ولكن الملفت في نص المفيد رحمه الله قوله " وورود خيل من قبل الغرب حتى تربط بفناء الحيرة " وهذا يفتح الباب للتدقيق في روايتها وهل لفظها الغرب أم المغرب. ويفتح المجال لا حتمال أن تكون هذه القوات غربية تدخل العراق لمعاونة السفياني في مواجهة أصحاب الرايات السود، أو تكون قبل السفياني. بل ينبغي التحقيق في كل رواية ورد فيها ذركر الجيش المغربي وأهل المغرب، والرجوع إلى النسخ المخطوطة فقد يكون الاصل الجيش الغربي وأهل الغرب. والمقصود برايات المشرق الرايات السود الخراسانية التي تدخل مع قوات اليماني لمواجهة السفياني عندما يغزو العراق. أما بثق الفرات وفيضانه في الكوفة، فقد ورد في الاحاديث أنه يكون في سنة الظهور، فعن الامام الصادق قال " عام (أو سنة) الفتح ينبثق الفرات حتى يدخل أزفة الكوفة " البحار ج 52 ص 217. وشهادة الشيخ المفيد بأن هذه العلامات والاحداث ثبتت في الاصول
[ 167 ]
الحديثية تعطي رواياتها قيمة كبيرة بل يمكن القول بالاطمئنان إلى صحة ما صححه المفيد لدقته وجلالة قدره، وكونه أقرب إلى المصادر والتابعين والائمة ، حيث توفي رحمه الله سنة 413 هجرية. أما ما يدل على قيام حكم اسلامي في العراق قبل السفياني فعمدته الاحاديث التي تدل على انتصار الممهدين الايرانيين في حربهم مع جبابرة العراق، من قبيل ما روي عن الامام الباقر قال " كأني بقوم قد خرجوا بالمشرق، يطلبون الحق فلا يعطونه، ثم يطلبونه فلا يعطونه. فإذا رأووا ذلك وضعوا سيوفهم على عواتقهم، فيعطون ما سألوا فلا يقبلونه حتى يقوموا. ولا يدفعونها إلا إلى صاحبكم. قتلاهم شهداء. أما إني لو أدركت ذلك لابقيت نفسي لصاحب هذا الامر " البحار ج 52 ص 343. وحديث " تخرج من خراسان رايات سود فلا يردها شئ حتى تنصب بإيلياء " الملاحم والفتن ص 43. والحديث المستفيض الذي رواه الفريقان وبعض أصحاب الصحاح عن النبي صلى الله عليه وآله قال " يخرج ناس من المشرق فيوطون للمهدي " يعني سلطانه. البحار ج 51 ص 87. فهذه الاحاديث وأمثالها وان لم تدل صراحة على قيام حكم اسلامي في العراق قبل ظهور المهدي ولكنها تدل على انتصار الايرانيين الممهدين انتصارا على مرحلتين كما سنذكره في محله، مما يرجح أن هدفهم في اسقاط حكم الجبابرة في العراق واقامة حكم اسلامي يتحقق. وتوجد روايات متفرقة تدل على ذلك أيضا ولكنها وردت مرسلة أو بأسانيد ضعيفة تذكر أن الايرانيين الممهدين يدخلون العراق ومدنه الهامة من جهة خانقين ومن جهة البصرة وينهون حكم الجبابرة، مثل رواية براثا
[ 168 ]
المتقدمة، ورواية خطبة البيان التي تقول " ألا يا ويل بغداد من الري، من موت وقتل وخوف يشمل أهل العراق إذا حل بهم السيف فيقتل ما شاء الله. فعند ذلك يخرج العجم على العرب ويملكون البصرة " الزام الناصب ج 2 ص 191، ووتتصل بها رواية الميرلوحي عن الامام الصادق التي تقول " ثم يقع التدابر والاختلاف بين أمراء العرب والعجم، فلا يزالون يختلفون إلى أن يصير الامر إلى رجل من ولد أبي سفيان " الزام الناصب ج 2 ص 160. كما توجد رواية " تحرك الحسني " الذي توجد قرائن على أنه يكون في العراق، والذي قد يكون قتله بعد حكمه. وفي مقابل هذه الروايات التي يفهم منها قيام حكم اسلامي. توجد رواية يفهم منها استمرار حكم الجبابرة في العراق إلى ظهور المهدي ، فعن الامام الصادق قال " إذا هدم حائط مسجد الكوفة (مؤخره) مما يلي دار عبد الله بن مسعود فعند ذلك زوال ملك القوم (بني فلان) وعند زواله خروج القائم " الارشاد للمفيد ص 360 وفي رواية غيبة الطوسي ص 271 " أما إن هادمه لايبنيه " يعني أن هادمه يقتل أو يذهب قبل أن يعيد بناءه، وكأن هدمه عمل عسكري يقوم به الحاكم لمواجهة حركة تكون ضده، يتحصن أصحابها في المسجد. وقد يفهم ذلك أيضا من رواية المجزرة عند مسجد الكوفة التي وردت عن أبي بصير عن الامام الصادق قال " إن لولد فلان عند مسجدكم (يعني مسجد الكوفة) لوقعة في يوم عروبه، يقتل فيها أربعة آلاف من باب الفيل إلى أصحاب الصابون " الارشاد ص 360، وفي رواية أخرى " لا يذهب ملك هؤلاء حتى يستعرضوا الناس بالكوفة يوم الجمعة، فكأني انظروا إلى رؤوس تندر فيما بين (المسجد) وأصحاب الصابون " غيبة الطوسي ص 272. كما يفهم ذلك أيضا من روايات غزو السفياني للعراق أيضا التي يشير
[ 169 ]
بعضها إلى أنه يقاتل حكومة ضعيفة غير اسلامية، بل عدوة للاسلام والامام المهدي ، كما ورد في رواية البحار التي ذكرناها في حركة السفياني ج 52 ص 273 وفيها " وأمير الناس يومئذ جبار عنيد يقال له الكاهن الساحر ". ولكن، على فرض صحة هذه الروايات، فأنها لا تعارض الروايات الاولى الدالة على قيام حكم اسلامي في العراق قبل المهدي ، لان هذه تتحدث عن فترة لا يعلم اتصالها بظهوره أو عن فترة قصيرة جدا متصلة بظهوره. فقد يقوم حكم اسلامي بعد انتصار الممهدين ويدوم ما شاء الله من السنين، ثم يقع انحراف عنه وتغلب الردة إلى حكم الجبابرة قبيل الظهور أو في سنته. والله العالم. الحسني والشيصباني وعوف السلمي ورد ذكر الحسني في عدة أحاديث تشير إلى أنه يقوم بحركة في العراق ثم يقتل، ولكنها تحتاج إلى تدقيق لانها تذكر حسني المدينة، وحسني مكة، وحسني العراق، والحسيني الخراساني الذي تسميه روايات مصادر السنة وبعض مصادرنا " الحسني " والذي يدخل العراق يحيشه في سنة الظهور، فيحتمل أن يكون تحركه هو المقصود في روايات تحرك الحسني في العراق ويحتمل أن يكون تحرك حسني قبله. أما الشيصباني فقد ورد فيه حديث في غيبة النعماني الذي هو من مصادر الدرجة الاولى عن جابر بن يزيد الجعفي قال " سألت أبا جعفر (الامام الباقر) عن السفياني فقال: " وأنى لكم بالسفياني حتى يخرج
[ 170 ]
قبله الشيصباني يخرج بأرض كوفان، ينبع كما ينبع الماء، فيقتل وقدكم، فتوقعوا بعد ذلك السفياني وخروج القائم " البحار ج 52 ص 250 عن غيبة النعمائي. ولم أجد حديثا آخر حوله، وقد تضمن عدة نقاط عن هذه الشخصية: منها، وصفه بالشيصباني نسبة إلى الشيصبان وهو وصف يعبر به الائمة عن الطواغيت والاشرار، لانه بالاصل اسم للشيطان، ولذكر النمل، كما في شرح القاموس للزبيدي. ومنها، أنه يخرج قبل السفياني، ويظهر من الحديث أنه لا يكون بينه وبينه مدة طويلة، أو يكون السفياني بعده مباشرة، بدليل قوله " فتوقعوا بعد ذلك السفياني " ومنها، أنه يخرج في العراق الذي هو أرض كوفان، ويحتمل أن يكون في مدينة الكوفة. ويكون خروجه أي ثورته أو حكمه فجأة بنحو غير متوقع " ينبع كما ينبع الماء " وأنه يكون طاغية سفاكا يقتل المؤمنين. والظاهر أن معنى " يقتل وفدكم " أي وجهاء المؤمنين الذي يتقدمون الوفد عادة، حيث يقال وفد القبيلة ووفد المدينة بمعنى وجهائها ورهطها. ويحتمل أن يكون معناه يقتل وفودكم القاصدة إلى الحج والزيارة وما شابه ذلك. وقد رجحنا في حركة السفياني وغزوه العراق أن يكون حكم هذا الشيصباني للعراق قبيل خروج السفياني، وبعد حكم الممهدين ومؤيديهم. على أنه يحتمل أن ينطبق على صدام كما يرى بعضهم لانه مستجمع للصفات المذكورة. فإن ظهر بعده السفياني في الشام يكون هو شيصباني العراق الموعود. أما عوف السلمي فقد ورد فيه رواية في غيبة الطوسي وهو من
[ 171 ]
مصار الدرجة الاولى أيضا، عن حذلم بن بشير عن الامام زين العابدين قال " قلت لعلي بن الحسن : صف لي خروج المهدي وعرفني دلائله وعلاماته فقال: يكون قبل خروجه خروج رجل يقال له عوف السلمي بأرض الجزيرة، ويكون مأواه تكريت وقتله بمسجد دمشق. ثم يكون خروج شعيب بن صالح من سمرقند. ثم يخرج السفياني الملعون من الوادي اليابس، وهو من ولد عتبة بن أبي سفيان. فإذا ظهر السفياني اختفى المهدي، ثم يخرج بعد ذلك " البحار ج 52 ص 213، عن غيبة الطوسي. ولم أجد حديثا آخر عن عوف هذا. وما يتعلق بشعيب منه وأنه من سمرقند مخالف لما هو المشهور في مصادرنا الشيعية من أنه من أهل الري، إلا أن يفسر بأن أصله من أهل سمرقند. وكذلك أمر خروجه قبل السفياني كما ذكرنا في محله. ويبدو أن عوفا السلمي هذا يخرج على الحكومة السورية وليس العراقية، وأنه يكون قبل السفياني بمدة غير طويلة. أما الجزيرة التي هي مركز حركته فهي اسم لمنطقة عند الحدود العراقية السورية، وهو المعنى المفهوم للجزيرة عندما تطلق بدون إضافة كما نلاحظ في كتب التاريخ والحديث، وتسمى أيضا جزيرة ربيعة أو جزيرة ديار بكر، ولا يفهم منها جزيرة العرب أو جزيرة أخرى إلا بالاضافة. والظاهر أن معنى مأواه تكريت أنها تكون ملجأه قبل حركته أو بعد فشل حركته وفراره. وهي المدينة المعروفة في العراق. ويؤيد ذلك أنها قريبة من مركز حركته الجزيرة فيكون ما ورد في بعض النسخ بدلها (ومأواه بكريت أو بكويت) مصحفا عن تكريت. ويؤيد ذلك أن الموجود في البحار وغيبة الطوسي " تكريت " فقط وتشير الرواية إلى أنه بعد ذلك يقتل في مسجد دمشق أي يغتال فيه، أو يقبض عليه ويقتل عنده. وعلى هذا يكون خروجه من أحداث بلاد الشام، وله صلة بأحداث العراق.
[ 172 ]
الفترة الثالثة: غزو السفياني، وخراب البصرة وتصف أحاديثها غزو السفياني العراق واحتلاله، وتنكيله بأهله، خاصة بشيعة المهدي وأهل البيت . وقد تعرضنا لها في حركة السفياني. ويفهم من مجموعها أن السلطة في العراق تكون ضعيفة إلى حد لا تستطيع أن ترد حملة السفياني لا عسكريا ولا شعبيا. ثم لا تستطيع أن تمنع دخول القوات اليمانية والايرانية التي تدخل العراق لمواجهة قوات السفياني. كما أن من المحتمل أن يكون دخول الجيش السفياني إلى العراق بطلب من حكومته الضعيفة، وأن تكون الروايات عن قتال يخوضه جيش السفياني في الدجيل وبغداد وغيرها تتحدث عن قتاله مع فئات ثائرة عليه. كما يفهم من الرويات أن القوات والايرانية يكون لها تأييد شعبي من العراقيين، وأن الناس المستضعفين يستبشرون بها ويساعدونها في تعقب قوات السفياني. أما خراب البصرة فرواياته ثلاثة أنواع: خرابها بالغرق. وخرابها بثورة الزنج. وخرابها بالخسف والغرق. وأكثر كلمات أمير المؤمنين الواردة في خطبه وغيرها في نهج البلاغة تقصد الخرابين الاولين اللذين وقعا في زمن العباسيين كما ذكر عامة المؤرخين. وبعضها تقصد خرابها الاخير بالخسف الذي هو من علامات ظهور المهدي . قال في الخطبة رقم 13 " كنتم جند المرأة، وأتباع البهيمة،
[ 173 ]
رغا فأجبتم، وعقر فهربتم. أخلاقكم دقاق، وعهدكم شقاق، ودينكم نفاق، وماؤكم زعاق. المقيم بينكم مرتهن بذنبه، والشاخص عنكم متدارك برحمة من ربه. كأني بمسجدكم كجؤجؤ سفينة، وقد بعث الله عليها العذاب من فوقها ومن تحتها، وغرق من في ضمنها ". قال ابن أبي الحديد: " فأما إخباره أن البصرة تغرق ما عدا المسجد الجامع بها، فقد رأيت من يذكر أن كتب الملاحم تدل على أن البصرة تهلك بالماء الاسود ينفجر من أرضها، فتغرق ويبقى مسجدها. والصحيح أن المخبر به قد وقع. فان البصرة غرقت مرتين، مرة في أيام القائم بأمر الله، غرقت بأجمعها ولم يبق منها الا مسجدها الجامع بارزا بعضه كجؤجؤ الطائر، حسب ما أخبر به أمير المؤمنين . جاءها الماء من بحر فارس من جهة الموضع المعروف الان بجزيرة الفرس، ومن جهة الجبل المعروف بجبل السنام. وخربت دورها وغرق كل ما في ضمنها. وهلك كثير من أهلها. وأحد هذين الغرقين معروفة عند أهل البصرة يتناقله خلفهم عن سلفهم " ا. ه‍. أما خرابها بسبب ثورة الزنج التي وقعت أيضا في زمن العباسيين في منتصف القرن الرابع، فقد أخبر به أمير المؤمين أكثر من مرة، من قبيل الخطبة 128 التي قال فيها " يا أحنف، كأني به وقد سار بالجيش الذي لا يكون له غبار ولا لجب، ولاقعقعة لجم، ولا حمحمة خيل، يثيرون الارض بأقدامهم كأنها أقدام النعام ". قال الشريف الرضي رحمه الله: " يومئ بذلك إلى صاحب الزنج ". ثم قال " ويل لسكككم العامرة، والدور المزخرفة، التي لها أجنحة كأجنحة النسور. وخراطيم كخراطيم الفيلة، من أولئك الذين لا يندب قتيلهم،
[ 174 ]
ولا يفقد غائبهم ". وثورة الزنج بقيادة القرمطي مشهورة في مصادر التاريخ، وقد انطبقت عليها الاوصاف التي وصفها بها أمير المؤمنين بشكل دقيق فكانت ردة فعل للظلم والترف واضطهاد العبيد والمستضعفين، وكان جيشها من الزنوج العبيد الحفاة الذين لاخيل لهم. وأما خرابها الذي هو من علامات ظهور المهدي ، فقد ورد فيه عدة روايات تذكر أن البصرة من المؤتفكات المذكورة في القرآن الكريم أي المدن المنقلبات بأهلها بالخسف والعقاب الالهي، وأن البصرة ائتفكت ثلاث مرات وبقيت الرابعة. ففي شرح النهج لابن ميثم البحراني قال " لما فرغ أمير المؤمنين من أمر الحرب لاهل الجمل (من أمر أهل الجمل) أمر مناديا أن ينادي في أهل البصرة أن الصلاة جامعة لثلاثة أيام (من غد إن شاء الله) ولا عذر لمن تخلف الا من حجة أو عذر، فلا تجعلوا على أنفسكم سبيلا. فلما كان اليوم الذي اجتمعوا فيه خرج فصلي بالناس الغداة في المسجد الجامع، فلما قضى صلاته قام فأسند ظهره إلى حائط القبلة عن يمين المصلي فخطب الناس، فحمد الله وأنثى عليه بما هو أهله، وصلى على النبي صلى الله عليه وآله واستغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، ثم قال: " يا أهل البصرة، يا أهل المؤتفكة ائتفكت بأهلها ثلاثا وعلى الله تمام الرابعة. يا جند المرأة وأعوان البهيمة، رغا فأجبتم، وعقر فانهزمتم (فهربتم) أخلاقكم دقاق، ودينكم نفاق، وماؤكم زعاق. بلادكم أننن بلاد الله تربة، وأبعدها من السماء، بها تسعة أعشار الشر. المختبس فيها يذنبه، والخارج منها بعفو الله. كأني أنظر إلى قريتكم هذه وقد طبقها الماء حتى ما يرى منها الا شرف المسجد كأنه جؤجؤ طير في لجة بحر.
[ 175 ]
فقام إليه الاحنف بن قيس فقال له: يا أمير المؤمنين ومتى يكون ذلك ؟ قال: يا أبا بحر إنك لن تدرك ذلك الزمان، وإن بينك وبينه لقرونا، ولكن ليبلغ الشاهد منكم الغائب عنكم، لكي يبلغو إخوانهم إذا هم رأوا البصرة قد تحولت أخصاصها دورا وآجامها قصورا، فالهرب الهرب فإنه لابصرة لكم يومئذ. ثم التفت عن يمينه فقال: كم بينكم وبين الابلة ؟ فقال له المنذرين الجارود: فداك أبي وأمي: أربعة فراسخ. قال له: صدقت، فو الذي بعث محمد صلى الله عليه وآله وأكرمه بالنبوة، وخصه بالرسالة، وعجل بروحه إلى الجنة، لقد سمعت منه كما تسمعون مني أن قال: يا علي هل علمت أن بين التي تسمى البصرة والتي تسمى الابلة أربعة فراسخ، وسيكون بالتي تسمى أبلة موضع أصحاب العشور، يقتل في ذلك الموضع من أمتي سبعون ألف شهيد، هم يومئذ بمنزلة شهداء بدر. فقال له المنذر: يا أمير المؤمنين ومن يقتلهم، فذاك أبي وأمي ؟ قال: يقتلهم اخوان وهم جيل كأنهم الشياطين، سود ألوانهم، منتنة أرواحهم، شديد كلبهم، قليل سلبهم طوبى لمن قتلوه. ينفر لجهادهم في ذلك الزمان قوم هم أذلة عند المتكبرين من أهل ذلك الزمان، مجهولون في الارض، معروفون في السماء، تبكي عليهم السماء وسكانها، والارض وسكانها - ثم هملت عيناه بالبكاء - ثم قال: ويحك يا بصرة من جيش لارهج له ولاحس. فقال له المنذر: وما الذي يصيبهم من قبل (قبل) الغرق مما ذكرت ؟ فقال: هما بابان: فالويح باب الرحمة، والويل باب عذاب. يابن الجارود، نعم: ثارات عظيمة. منها عصبة يقتل بعضهم بعضا. ومنها فتنة يكون فيها إخراب منازل وخراب ديار وانتهاب أموال وسباء نساء يذبحن ذبحا، يا ويل أمرهن حديث عجيب. ومنها أن يستحل الدجال الاكبر الاعور الممسوح العين اليمنى والاخرى ممزوجة لكانها في الحمرة علقة، ناتئ الحدقة كهيئة حبة العنب الطافية على الماء، فيتبعه من أهلها عدة من قتل بالابلة من الشهداء، أنا جيلهم في صدورهم، يقتل من يقتل، ويهرب
[ 176 ]
من يهرب. ثم رجف، ثم قذف، ثم خسف ثم مسخ. ثم الجوع الاغبر، ثم الموت الاحمر وهو الغرق. يا منذر: ان للبصرة ثلاثة أسماء سوى البصرة في زبر الاول، لا يعلمها الا العلماء. منها الخريبة، ومنها تدمر، ومنها المؤتفكة. إلى أن قال: يا أهل البصرة: ان الله لم يجعل لاحد من أمصار المسلمين خطة شرف ولاكرم الا وقد جعل فيكم أفضل من ذلك، وزادكم من فضله بمنه ما ليس لهم. أنتم أقوم الناس قبلة، قبلتكم على المقام حيث يقوم الامام بمكة. وقارؤكم أقرأ الناس. وزاهدكم أزهد الناس. وعابدكم أعبد الناس. وتاجركم أتجر الناس وأصدقهم في تجارته. ومتصدقكم أكرم الناس صدقة. وغنيكم أشد الناس بذلا وتواضعا. وشريفكم أكرم الناس خلقا. وأنتم أكثر الناس جوارا، وأقلهم تكلفا لما لا يعنيه، وأحرصهم على الصلاة في جماعة. ثمرتكم أكثر الثمار. وأموالكم أكثر الاموال. وصغاركم أكيس الاولاد. ونساؤكم أمنع الناس وأحسنهن تبعلا. سخر لكم الماء يغدو عليكم ويروح صلاحا لمعاشكم، والبحر سببا لكثرة أموالكم. فلو صبرتم واستقمتم لكانت شجرة طوبى لكم مقيلا وظلا ظليلا. غير أن حكم الله ماض، وقضاءه نافذ، لا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب، يقول الله " وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة، أو معذبوها عذابا شديدا، كان ذلك في الكتاب مسطورا ". إلى أن قال: " إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لي يوما، وليس معه غيري: إن جبرئيل الروح الامين حملني على منكبه الايمن حتى أراني الارض ومن عليها، وأعطاني أقاليدها، وعلمني ما فيها، وما قد كان على ظهرها، وما يكون إلى يوم القيامة. ولم يكبر ذلك على كما لم يكبر على أبي آدم، علمه الاسماء كلها ولم تعلمها الملائكة المقربون. واني رأيت على شاطئ البحر قرية (بلدة) تسمى البصرة، فإذا هي أبعد الارض من السماء وأقربها من الماء. وانها لاسرع الارض خرابا، وأخشنها ترابا، وأشدها عذابا.
[ 177 ]
ولقد خسف بها في القرون الخالية مرارا، وليأتين عليها زمان وان لكم يا أهل البصرة وما حولكم من القرى من الماء ليوما عظيما بلاؤه. واني لاعلم موضع منفجره من قريتكم هذه. ثم أمور قبل ذلك تدهمكم، عظيمة أخفيت عنكم وعلمناها. فمن خرج عنها عند دنو غرقها فبرحمة من الله سبقت له. ومن بقي فيها غير مرابط فبذنبه. وما الله بظلام للعبيد " البحار ج 60 ص 224 - 226، وقد أضفنا لها فقرة من نهج السعاة في مستدرك نهج البلاغة ص 325، وقد روى فيها فقرة من هذه الخطبة عن عيون الاخبار لابن قتيبة عن الحسن البصري، وفيها: " غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: تفتح أرض يقال لها البصرة، أقوم الارضين قبلة. قارؤها أقرأ الناس. وعابدها أعبد الناس. وعالمها أعلم الناس. ومتصدقها أعظم الناس صدقة، وتاجرها أعظم الناس تجارة. منها إلى قرية يقال لها الابلة أربعة فراسخ، يستشهد عند مسجد جامعها أربعون ألفا، الشهيد منهم يومئذ كالشهيد معي يوم بدر ". ويظهر من مصادر التاريخ أن خطبة أمير المؤمنين في البصرة وحديثه فيها عن الملاحم قطعية ومشهورة، ولكن رواياتها المتعددة تختلف في الطول والقصر وفي بعض المضامين. وتنفرد الروايتان اللتان ذكرناهما بأنهما تذكران خرابها بالغرق بعد الخسف، وهو ما لم يحدث في غرقها في المرتين أو في ثورة الزنج. ويبدو أنه الخسف الموعود في روايات أخرى عن أهل البيت على انه من علامات ظهور المهدي . والذي يحتمل أن يكون عند حرب أصحاب الرايات السود مع جبابرة العراق قبل احتلال السفياني له، كما يحتمل أن يكون على أثر احتلال السفياني له. كما تنفردان بذكر شهداء البصرة السبعين ألفا أو الاربعين ألفا، وأنهم في درجة شهداء بدر، وبكاء أمير المؤمنين عليهم، وفي رواية
[ 178 ]
بكاء النبي صلى الله عليه وآله عليهم. وتحدد الرواية الاولى مكان شهادتهم بين البصرة والابلة التي هي اليوم حي من البصرة تقع قربه محطة القطار. بينما تذكر رواية ابن قتيبة أن مكان شهادتهم عند مسجدها الجامع الذي يظهر أن المقصود به مسجد البصرة. ولابد أن تكون حادثة استشهادهم قبل ظهور المهدي ، لانه لا جبابرة أو مستكبرون بعد ظهوره حتى يكون هؤلاء الشهداء مستضعفين أذلة عند هؤلاء المتكبرين كما وصفتهم الرواية. ولكن لا توجد اشارة على تحديد زمنهم. كما لا تحدد الرواية بوضوح من يقتلهم، ولعل كلمة " اخوان " مصحفة عن كلمة أخرى. والدجال المذكور أنه يكون بعدهم وأتباعه السبعون ألفا من النصارى أصحاب الاناجيل لا يبعد أن يكون غير الدجال الموعود أنه يظهر بعد المهدي . على أن رواية ابن قتيبة تقتصر على ذكر شهداء الابلة فقط ولا تذكر هذا الدجال. ولم يذكر ابن ميثم رحمه الله المصدر الذي أخذ منه الرواية. وهي تحتاج إلى مزيد من التتبع والتحقيق. والله العالم. وجاء في تفسير نور الثقلين في تفسير قوله تعالى " وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة " آية 9 - الحاقة، أن المؤتفكات هي البصرة. وفي تفسير قوله تعالى " والمؤتفكة أهوى " النجم - 53 عن الامام الصادق قال " هم أهل البصرة، وهي المؤتفكة ". وفي تفسير قوله تعالى " وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات " عن الامام الصادق " أولئك قوم لوط، ائتفكت عليهم: انقلبت عليهم ". وفيه نقلا عن " كتاب من لا يحضره الفقيه " عن جويرية بن مسهر العبدي قال " أقبلنا مع أمير المؤمنين من قتل الخوارج حتى إذ قطعنا في أرض بابل حضرت صلاة العصر، فنزل أمير المؤمنين ونزل الناس،
[ 179 ]
فقال علي : أيها الناس إن هذه الارض ملعونة قد عذبت في الدهر ثلاث مرات (وفي خبر آخر مرتين) وهي تتوقع الثالثة. وهي إحدى المؤتفكات ". الفترة الرابعة: فتح العراق على يد الامام المهدي وأحاديثها كثيرة جدا، عن دخول المهدي إلى العراق، وتحريره من بقايا قوات السفياني، ومن مجموعات الخوارج المتعددة، واتخاذه قاعدة دولته وعاصمتها. ولم أجد تحديدا دقيقا لوقت دخوله إلى العراق، ولكن يأتي في حركة ظهوره أنه يكون بعد بضعة شهور من ظهوره وبعد تحرير الحجاز، ومعركة الاهواز أو بيضاء اصطخر التي يهزم فيها مع أنصاره الايرانيين قوات السفياني هزيمة ساحقة. ثم يدخل العراق جوا بسرب من الطائرات كما قد يفهم من الحديث التالي عن الامام الباقر في تفسير قوله تعالى " يا معشر الجن والانس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والارض فانفذوا، لا تنفذون إلا بسلطان " قال: ينزل القائم يوم الرجفة بسبع قباب من نور، لا يعلم في أيها هو، حتى ينزل الكوفة ". وهذه الرواية إن صحت فهي بالاضافة إلى ما فيها من جانب إعجازي تدل على أن الوضع الامني يستوجب من الامام المهدي هذه الاحتياط. فبالاضافة إلى معاداة الوضع العالمي له، لا يكون قد أتم تطهير الساحة الداخلية في العراق. وتعبير " ينزل " وبعده " وحتى ينزل ظهر الكوفة " يفهم منه أنه لا ينزل الكوفة أو النجف رأسا، فقد ينزل في العاصمة أولا،
[ 180 ]
أو في قاعدة عسكرية، أو في كربلاء، كما تذكر بعض الروايات. وتذكر الاحاديث عددا كبيرا من أعماله في العراق ومعجزاته. وسوف نستعرضها في حركة ظهوره، ونذكر منها هنا ما يتعلق بالوضع العام في العراق، وأهم ذلك تصفيته لوضعه الداخلي والقضاء على القوى المضادة الكثيرة، حيث تذكر الاحاديث أنه يدخل الكوفة - أي العراق - وفيه ثلاث اتجاهات متضاربة، يبدو أنها الاتجاه المؤيد له ، والاتجاه المؤيد للسفياني، والثالث اتجاه الخوارج. فعن عمرو بن شمر عن الامام الباقر قال ذكر المهدي فقال " يدخل الكوفة وبها ثلاث رايات قد اضطربت فتصفو له. ويدخل حتى يأتي المنبر فلا يدري الناس ما يقول من البكاء " الارشاد للمفيد ص 362. والكوفة في هذا الحديث وأمثاله تعبير عن العراق، ووجود ثلاث رايات فيه لا ينافي الاحاديث التي تدل على أن السيطرة العسكرية تكون بعد هزيمة السفياني لقوات الايرانيين الممهدين، من نوع الحديث التالي المستفيض في مصادر الشيعة والسنة عن أمير المؤمنين وعن الامام الباقر عليهما السلام قال " تنزل الرايات السود التي تخرج من خراسان (إلى) الكوفة. فإذا ظهر المهدي بعثت له بالبيعة " البحار ج 52 ص 217، فالسيطرة العسكرية تكون لقوات الممهدين ولكن الوضع الشعبي يكون فيه ثلاثة اتجاهات كما ذكرنا. أما إبادته للفئات المعادية ومجموعات الخوارج عليه، فيظهر من أحاديثها أن الحركات المضادة له تكون كثيرة سواء من جماعات الخوارج، أو جماعات السفياني، وغيرهم. وأنه
[ 181 ]
يستعمل سياسة الشدة والقتل لمن يقف في وجهه، تنفيذا للعهد المعهود إليه من جده رسول الله صلى الله عليه وآله. فعن الامام الباقر قال " إن رسول الله صلى الله عليه وآله سار في أمته باللين، كان يتألف الناس. والقائم يسير بالقتل. بذلك أمر في الكتاب الذي معه، أن يسير بالقتل ولا يستتيب أحدا. ويل لمن ناواه " البحار ج 52 ص 353، والكتاب الذي معه هو العهد المعهود إليه من رسول الله باملائه صلى الله عليه وآله وخط علي (ع) وفيه كما ورد " أقتل، ثم أقتل، ولا تستتيبن أحدا " وعن الباقر قال " يقوم القائم بأمر جديد، وقضاء جديد، على العرب شديد. ليس شأنه الا السيف. ولا يستتيب أحدا، ولا تأخذه في الله لومة لائم " البحار ج 52 ص 354، والامر الجديد هو الاسلام الذي يكون قد دثره الجبابرة وابتعد عنه المسلمون، فيحييه المهدي ويحيي القرآن، فيكون ذلك شديدا على العرب الذين يطيعون حكامهم وطغاتهم ويعادونه ويحاربونه . وعن الامام الصادق قال " إن القائم يلقى في حربه ما لم يلق رسول الله صلى الله عليه وآله، لان رسول الله أتاهم وهم يعبدون الحجارة المنقورة الخشبة المنحوتة، وان القائم يخرجون عليه فيتأولون عليه كتاب الله ويقاتلونه عليه " البحار ج 52 ص 363، وقد رأينا كيف تأويل الحكام وعلماء السوء التابعين لهم آيات القرآن في معاداة دولة الممهدين للمهدي وقاتلوها. وتذكر بعض الاحاديث أن بطش الامام المهدي يشمل المنافقين المتسترين الذين قد يكون بعضهم من حاشيته فيعرفهم بالنور الذي جعله الله تعالى في قلبه، فعن الامام الصادق قال " بينا الرجل على رأس القائم بأمره وينهاه، إذ قال إديروه، فيديرونه إلى قدامه، فيأمر بضرب عنقه. فلا يبقى في الخافقين شئ إلا خافه " البحار ج 52 ص 355 ويذكر بعض الاحاديث أن الامر يصل أحيانا إلى إبادة فئة
[ 182 ]
بكاملها، فعن الامام الباقر قال " إذا قام القائم سار إلى الكوفة فيخرج منها بضعة عشر آلاف أنفس يدعون البترية، عليهم السلاح، فيقولون له: إرجع من حيث جئت فلا حاجة لنا في بني فاطمة، فيضع فيهم السيف حتى يأتي على آخرهم. ثم يدخل الكوفة فيقتل كل منافق مرتاب، ويقتل مقاتليها حتى يرضى الله عزوعلا " البحار ج 52 ص 338. وتذكر الرواية التالية أنه يقتل سبعين رجلا هم أصل الفتنة والاختلاف داخل الشيعة، ويبدو أنهم من علماء السوء المضلين، فعن مالك بن ضمرة قال: قال أمير المؤمنين " يا مالك بن ضمرة كيف أنت إذا اختلفت الشيعة هكذا ؟ وشبك أصابعه وأدخل بعضها في بعض. فقلت يا أمير المؤمنين ما عند ذلك من خير. قال: الخير كله عند ذلك، يا مالك عند ذلك يقوم قائمنا فيقدم سبعين رجلا يكذبون على الله ورسوله صلى الله عليه وآله فيقتلهم. ثم يجمعهم الله على أمر واحد " البحار ج 52 ص 115. كما تدل الرواية التالية على بقاء أنصار للسفياني في العراق رغم آية الخسف التي ظهرت في جيشه بالحجاز، ورغم هزيمته في العراق، فعن الامام زين العابدين عليه قال " ثم يسير (أي المهدي) حتى ينتهي إلى القادسية، وقد اجتمع الناس بالكوفة وبايعوا السفياني " البحار ج 52 ص 387. وعن الامام الصادق قال " ثم يتوجه إلى الكوفة فينزل بها، ويبهرج دماء سبعين قبيلة من قبائل العرب " غيبة الطوسي ص 284، أي يهدر دماء من التحق من هذه القبائل بأعدائه والخوارج عليه. وعن ابن أبي يعفور عن الامام الصادق أن قال له " وإنه أول قائم يقوم منا أهل البيت يحدثكم بحديث لا تتحملونه، فتخرجون عليه برميلة الدسكرة فتقاتلونه فيقاتلكم فيقتلكم، وهي آخر خارجة تكون " البحار 52 ص 375.
[ 183 ]
وعن الامام الباقر قال " بينا صاحب هذا الامر قد حكم ببعض الاحكام وتكلم ببعض السنة، إذ خرجت خارجة من المسجد يريدون الخروج عليه، فيقول لاصحابه: إنطلقوا، فيلحقونم بالتمارين فيأتون بهم أسرى، فيأمر بهم فيذبحون. وهي آخر خارجة تخرج على قائم آل محمد صلى الله عليه وآله " البحار ج 52 ص 345، والتمارين محلة بالكوفة. ويجمع بين الروايتين بأن خوارج رميلة الدسكرة يكونون آخر خارجة مسلحة، وخارجة مسجد الكوفة يكونون آخر فئة تحاول الخروج . وتدل الروايات الشريفة على أن خوارج رميلة الدسكرة يكونون أخطر فئات الخوارج على المهدي ، وأن قائدهم يكون فرعونا وشيطانا. وعن أبي بصير رحمه الله قال " ثم لا يلبث إلا قليلا حتى تخرج عليه مارقة الموالي برميلة الدسكرة، عشرة آلاف، شعارهم يا عثمان يا عثمان. فيدعو رجلا من الموالي فيقلده سيفه فيخرج إليهم فيقتلهم حتى لا يبقى منهم أحد " البحار ج 52 ص 333، وقد حددت الرواية المتقدمة رميلة الدسكرة بأنها دسكرة الملك، وهي كما في معجم البلدان قرية قرب شهرابان من قرى بعقوبة في محافظة ديالى. وقد تكون تسميتهم " مارقة الموالي " لانهم من غير العرب، أو لان قائدهم من الموالي، أي غير العرب. وتذكر بعض الروايات نوعا آخر من عمليات التصفية الكبيرة هذه، وأنه يدعو اثني عشر ألف رجل من جيشه من العجم والعرب فيلبسهم زيا خاصا موحدا، ويأمرهم أن يدخلوا مدينة فيقتلوا كل من لم يكن لابسا مثلهم، فيفعلون. البحار ج 52 ص 377. ولابد أن تكون تلك المدينة كلها من الكافرين أو المنافقين المعادين له حتى يأمر بقتل رجالها، أو يكون قد أخبر المؤمنين من أهلها أن لا يخرجوا من بيوتهم في وقت الهجوم. أو يكون أرسل إليهم ألبسة من نفس
[ 184 ]
الزي الذي ألبسه لجنوده مثلا. ولابد أن تثير هذه التصفيات الواسعة موجة رعب في داخل العراق وفي العالم، وموجة تشكيك أيضا. وقد ورد في بعض الروايات أن بعض الناس يقولون عندما يرون كثرة تقتيله وسفكه دماء أعدائه " ليس هذا من ولد فاطمة، ولو كان من ولد فاطمة لرحم ". بل ورد أن بعض أصحابه الخاصين يدخلهم الشك والريب من كثرة ما يرون من تقتيله لمناوئيه، فيفقد أحدهم أعصابه ويعترض على المهدي ، فعن الامام الصادق قال " يقبل القائم حتى يبلغ السوق، فيقول له رجل من ولد أبيه: إنك لتجفل الناس إجفال النعم، فبعهد من رسول الله صلى الله عليه وآله أو بماذا ؟ قال وليس في الناس رجل أشد منه بأسا، فيقوم إليه رجل من الموالي فيقول له: لتسكتن أو لاضربن عنقك. فعند ذلك يخرج القائم عهدا من رسول الله صلى الله عليه وآله " البحار ج 52 ص 387. ومعنى من ولد أبيه أنه علوي النسب. وإجفال النعم، أي تخويف الغنم. ومعنى حتى يبلغ السوق: يبلغ محلا اسمه السوق، ويحتمل أن يكون معناه حتى يبلغ بقتله بعض الناس من أهل السوق. وقد ورد في رواية أخرى أن هذا الرجل من الموالي أي من الايرانيين الذي يأمر السيد المعترض بالسكوت هو " المولى الذي يتولى البيعة " أي المسؤول عن أخذ البيعة من الناس للامام المهدي، فعن الامام الباقر قال " حتى إذا بلغ الثعلبية قام إليه رجل من صلب أبيه وهو من أشد الناس ببدنه وأشجعهم بقلبه ما خلا صاحب هذا الامر، فيقول: يا هذا ما تصنع ؟ فو الله إنك لتجفل الناس إجفال النعم، أفبعهد من رسول الله صلى الله عليه وآله أم بماذا ؟ فيقول المولى الذي ولي البيعة:
[ 185 ]
والله لتسكتن أو لاضربن الذي فيه عيناك. فيقول له القائم: أسكت يا فلان. إي والله، إن معي عهدا من رسول الله صلى الله عليه وآله. هات يا فلان العيبة أو الزنفيلجة، فيأتيه بها فيقرؤه العهد من رسول الله صلى الله عليه وآله فيقول: جعلني الله فداك، أعطني رأسك أقبله، فيعطيه رأسه فيقبل بين عينيه، ثم يقول: جعلني الله فداك جدد لنا بيعة، فيجدد لهم بيعة " البحار ج 52 ص 343، والعيبة والزنفيلجة بمعنى الصندوق الصغير. والثعلبية مكان بالعراق من جهة الحجاز. وبهذا العرض المجمل لمن يقتلهم المهدي في العراق، يظهر أنهم فئات متعددة من الشيعة والسنة، ومن المؤيدين للسفياني والمعارضين له، من علماء السوء والمجموعات والاحزاب وعامة الناس. ومن الطبيعي أن يكون فيهم فئات عميلة للروم والترك أيضا، أي الغربيين والروس. ولكن بعد ذلك، يتنفس العراق الصعداء في ظل سلطة الامام المهدي ، ويدخل حياة جديدة في مركزه العالمي بوصفه عاصمة الامام المهدي ومحط أنظار المسلمين ومقصد وفودهم. وتصبح الكوفة والسهلة والحيرة والنجف وكربلاء محلات لمدينة واحدة يتردد ذكرها على ألسنة شعوب العالم وفي قلوبهم، ويقصدها القاصدون من أقاصي المعمورة ليلة الجمعة، ويبكرون لاداء صلاة الجمعة خلف المهدي ، في مسجده العالمي ذي الالف باب فلا يكاد الواحد أن يحصل على موضع صلاة بين عشرات الملايين القاصدة. فعن الامام الصادق قال " دار ملكه الكوفة، ومجلس حكمه جامعها، وبيت ماله ومقسم غنائم المسلمين مسجد السهلة. وموضع خلواته الذكوات البيض من الغريين. والله لا يبقى مؤمن إلا كان بها أو حواليها (وفي رواية أو يجئ إليها، وفي رواية أخرى أو يحن إليها والعله
[ 186 ]
الاصح) ولتصيرن الكوفة أربعة وخمسين ميلا، ولتجاورن قصورها قصور كربلاء وليصيرن الله كربلا، معقلا ومقاما تختلف إليه الملائكة والمؤمنون، وليكونن لها شأن من الشأن " البحار ج 53 ص 11 - 12. و " مجلس حكمه " أي مجلسه للمراجعات والحكم بين الناس، في مسجد الكوفة الفعلي، أو في مسجد الجمعة الكبير الذي يبنيه. " وموضع خلواته الذكوات البيض " أي موضع اعتكافه للعبادة الربوات البيضاء قرب النجف وهي الغري والغريين. وأربعة وخمسين ميلا: أي تصير مساحة الكوفة أو طولها نحو مئة كيلومتر. وعن الامام الصادق قال " يبني في ظهر الكوفة مسجدا له ألف باب، وتتصل بيوت الكوفة بنهري كربلاء والحيرة، حتى يخرج الرجل على بغلة سفواء يريد الجمعة فلا يدركها " الغيبة للطوسي ص 280، والسفواء الخفيفة السريعة، أي يركب وسيلة خفيفة سريعة فلا يدرك صلاة الجمعة، لانه لا يجد موقفا فارغا ومحلا للصلاة. والاحاديث عن التطور المعنوي والمادي في العراق مركز عاصمته كثيرة، لا يسع المجال ذكرها. وبتصفية المهدي العراق وضمه إلى دولته وجعله عاصمتها، تكون دولته قد شملت اليمن والحجاز وايران والعراق، ومعها بلاد الخليج. وبذلك يتفرغ لاعدائه الخارجيين، فيبدأ أولا بالترك فيرسل لهم جيشا فيهزمهم. ثم يتوجه بنفسه على رأس جيشه إلى الشام حتى ينزل " مرج عذراء " قرب دمشق استعدادا لخوض المعركة مع السفياني واليهود والروم، معركة فتح القدس الكبرى، كما سيأتي في أحداث حركة ظهوره .
[ 187 ]
الحرب العالمية في عصر الظهور تدل أحادث كثيرة على وقوع حرب عالمية قرب ظهور المهدي ، وقد تبلغ حد التواتر الاجمالي. ومن المستبعد انطباقها على الحربين العالميتين الاولى والثانية القريبتين من عصرنا، لان أوصافها المذكورة في الاحاديث تختلف عن أوصافهما. خاصة في عدد خسائرها البشرية، وفي وقتها القريب من ظهوره ، بل يظهر من بعض أحاديثها أنها تقع في سنة ظهوره، أو بعد بداية حركته المقدسة. وهذه نماذج من أحاديثها: عن أمير المؤمنين قال " بين يدي القائم موت أحمر وموت أبيض. وجراد في حينه وجراد في غير حينه، كألوان الدم. فأما الموت الاحمر فالسيف. وأما الموت الابيض فالطاعون " الارشاد للمفيد ص 405 والغيبة للطوسي 277. وتدل عبارة " بين يدي القائم " على أن هذه الحرب والموت الاحمر تكون قريبة جدا من ظهور المهدي . ولا يعين الحديث مكان وقوعها. وعن الامام الباقر قال " لا يقوم القائم إلا على خوف شديد وزلازل وفتنة وبلاء يصيب الناس، وطاعون قبل ذلك، ثم سيف قاطع بين العرب، واختلاف بين الناس، وتشتت في دينهم، وتغير في حالهم، حتى يتمنى المتمني
[ 188 ]
الموت صباحا ومساء من عظم ما يرى من تكالب الناس وأكلهم بعضهم بعضا " كمال الدين للصدوق ص 434. وهو يدل على وقوع الطاعون قبل الخوف الشديد الذي قد يكون الحرب العامة. ولكن يصعب استفادة التسلسل في أحداثه حتى لو فرضنا أن الراوي لم يقدم ويؤخر فيها، لان جملة " سيف قاطع بين العرب " المعطوفة ب‍ " ثم " يصح عطفها على جملة " وطاعون قبل ذلك " المعترضة، فيكون اختلاف العرب هذا بعد الطاعون، ويصح عطفها على جملة " وبلاء يصيب الناس " فيكون قبل الطاعون. مضافا إلى الاجمال في هذه الحوادث. نعم يفهم منه وجود فترة شديدة على العرب والناس أمنيا وسياسيا واقتصاديا، وقد تكون هي سنة الجوع الموعود في الرواية التالية عن الامام الصادق قال " لابد أن يكون قدام القائم سنة يجوع فيها الناس ويصيبهم خوف شديد من القتل " البحار ج 52 ص 229. ويدل الحديث التالي على أن هذه الشدة والحرب، أو حالة الحرب، تستمر حتى يكون النداء السماوي في شهر رمضان قرب ظهور المهدي ، فعن الامام الباقر قال " يختلف أهل الشرق وأهل الغرب، نعم وأهل القبلة. ويلقى الناس جهدا شديدا مما يمر بهم من الخوف. فلا يزالون بتلك الحال حتى ينادي مناد من السماء. فإذا نادى فالنفر النفر " البحارج 52 ص 235، وهو يدل أيضا على أن خسائرها تقع بشكل أساسي على الامم غير الاسلامية، فعبارة " يختلف أهل الشرق وأهل الغرب، نعم وأهل القبلة " عبارة دقيقة تشعر بأن اختلاف أهل القبلة أي المسلمين ثانوي بالنسبة إلى اختلاف الغربين والشرقيين، وكأنه ناتج عنه وتابع له. وهذا هو الامر الطبيعي في الحرب العالمية المتوقعة حيث ستكون أهدافها عواصم الدول الكبرى وقواعدها العسكرية، ولاتصل إلى المسلمين الا بشكل
[ 189 ]
غير مباشر، وقد صرخت بذلك بعض الاحاديث، فعن أبي بصير قال سمعت أبا عبد الله (أي الامام الصادق) يقول " لا يكون هذا الامر حتى يذهب ثلثا الناس،. فقلنا: إذا ذهب ثلثا الناس فمن يبقى ؟ قال: أما ترضون أن تكونوا في الثلث الباقي " البحار ج 52 ص 113 ولعل أكثر النصوص تحديدا لوقت هذه الحرب وسببها الخطبة المروية عن أمير المؤمنين التي يذكر فيها عددا من علامات ظهور المهدي وأحداث حركته. وقد ورد فيها فقرتان تتعلقان بالحرب العالمية. قال فيها " ألا أيها الناس، سلوني قبل أن تشغر برجلها فتنة شرقية، تطأ في خطامها بعد موت وحياة، أو تشب نار بالحطب الجزل غربي الارض، رافعة ذيلها تدعو يا ويلها، بذحلة أو مثلها. ويخرج رجل من أهل نجران (راهب من أهل نجران) يستجيب الامام فيكون أول النصارى إجابة، ويهدم صومعته ويدق صليبها، ويخرج بالموالي وضعفاء الناس والخيل، فيسيرون إلى النخيلة بأعلام هدى. فيكون مجمع الناس جميعا من الارض كلها بالفاروق (وهي محجة أمير المؤمنين بين البرس والفرات). فيقتل يومئذ مابين المشرق والمغرب ثلاثة آلاف (ألف) من اليهود والنصارى، يقتل بعضهم بعضا. فيومئذ تأويل هذه الاية " فمازالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين " بالسيف وتحت ظل السيف " البحار ج 53 ص 82 و 84 وقوله " قبل أن تشعر برجلها فتنة شرقية " يدل على أن بداية هذه الحرب من الشرق، أي من روسيا، أو من نزاع في منطقة الشرق. وسيأتي في حركة ظهوره أن الحديث عن الامام الباقر يشير إلى أن الفراغ السياسي والازمة السياسية الموعودة في الحجاز تكون سببا لنشوب هذا الصراع بين الشرق والغرب.
[ 190 ]
" أو تشب نار بالحطب الجزل غربي الارض " يدل على أن مركز تدميرها هو البلاد الغربية، وحطبها الكثير القابل للاشتعال. أي قواعدها العسكرية وعواصمها ومراكزها الهامة. ويبدو أن معنى قوله " فيكون مجمع الناس جميعا من الارض كلها بالفاروق " أن الناس يأتون يومئذ من أنحاء الارض للالتحاق بالمهدي ، ويكون مقره في العراق بين الكوفة والحلة، كما يأتيه ذلك الراهب النجراني في وفد من المستضعفين. ويظهر أن عبارة (وهي محجة أمير المؤمنين وهي مابين البرس والفرات) حاشية من الراوي أو الناسخ، دخلت في الاصل. ولعل معنى المحجة أنها مكان اجتماع قوافل الحج في زمن أمير المؤمنين ، أو أنها كانت مكانا تجتمع فيها رايات الوفود إلى معسكره أو زيارته. " فيقتل يومئذ ما بين المشرق والمغرب ثلاثة آلاف ألف " أي ثلاثة ملايين، وقد وضعنا كلمة (ألف) بين قوسين لانها وردت في رواية أخرى في البحار ج 52 ص 274، ولعلها سقطت من هذه الرواية. ولا يعني ذلك أن مجموع قتلى الحرب العالمية هو ثلاثة ملايين فقط، بل قد يكون قتلى ذلك اليوم أو تلك الفترة، وتكون مرحلة من مراحل الحرب العالمية، وآخر مراحلها. فقد تقدم أن مجموع خسائرها مع الطاعون الذي يكون قبلها أو بعدها يبلغ ثلثي سكان العالم، وفي رواية خمسة أسباعهم، كما عن الامام الصادق " قدام القائم موتان موت أحمر وموت أبيض، حتى يذهب من كل سبعة خمسة " البحار ج 52 ص 207، وفي بعضها تسعة أعشار الناس.. وقد يكون اختلاف الروايات بسبب تفاوت المناطق أو غيره من الاسباب. وعلى كل حال فخسائر هذه الحرب تكون من المسلمين قليلة، أو لاتكاد تذكر.
[ 191 ]
وخلاصة القول: أن الاحاديث الشريفة تدل على أنه يوجد خوف عالمي شامل من القتل قبيل ظهوره ، في سنة ظهوره مثلا، وخسائر فادحة جدا في الارواح، وبشكل أساسي في غير المسلمين. وهو أمر يصح تفسيره بالحرب العامة وبوسائلها التدميرية الحديثة المخيفة لجميع أطرافها وجميع الشعوب. إذ لو كانت حربا تقليدية (كلاسيكية) لما كان خوفها بهذا الشمول الذي تصفه الروايات، ولكان منها طرف على الاقل أو مناطق لا يشملها خوف القتل. ولكن توجد عدة روايات وقرائن ترجح تفسيرها بموجة من الحروب الاقليمية خاصة التعبير الوارد عن الامام الباقر عن سنة الظهور " وتكثر الحروب في الارض " حيث ينص على أنها حروب متعددة في تلك السنة. وعليه يكون الجمع بينها وبين روايات الاختلاف والحرب بين أهل الشرق والغرب، أن ذلك يأخذ شكل حروب إقليمية بينهم ويتركز دمارها على غربي الارض. أما وقتها، فيفهم من الاحاديث أنه قريب جدا من ظهوره ، في سنة ظهوره مثلا. وإذا أردنا أن نجمع بين الاحاديث المتعرضة لهذه الحرب وصفاتها، فالمرجح أنها تكون على مراحل، حيث تبدأ قبيل بداية حركة ظهوره ثم تكون بقية مراحلها بعد حركة ظهوره، ويكون فتحه للحجاز في أثنائها، ثم تنتهي بعد فتحه العراق. ويكون حربه للروس أو لمن بقي منهم بعدها، حيث ورد أن أول لواء يعقده أي أول جيش يبعثه يكون إلى حرب الترك فيستأصلهم. أما إذا فسرنا أحاديثها بحرب نووية شاملة، وأخذنا بما تكتبه الصحف عن الحرب النووية العالمية فإن مدتها تكون قصيرة جدا، لا تزيد عن شهر واحد كما يذكرون. والله العالم.
[ 193 ]
الايرانيون ودورهم في عصر الظهور قبل الثورة الاسلامية في ايران كانت ايران تعني في أذهان الغربيين قاعدة حيوية في وسط العالم الاسلامي، وعلى حدود روسيا. وكانت تعني في أذهان المسلمين بلدا إسلاميا عريقا يتسلط عليه " شاه " موال للغرب واسرائيل، يسخر بلده لخدمتهم. وكانت تعني للشيعي مثلي مضافا إلى ذلك بلدا فيه مشهد الامام الرضا ، وحوزة قم العلمية، وتاريخها العريق في التشيع والعلماء ومؤلفاتهم. وعندما كنا نمر بالاحاديث التي تمدح الفرس وقوم سلمان أو نتذاكرها، نقول لبعضنا: إنها مثل الاحاديث التي تمدح أهل اليمن، أو بني خزاعة، أو تذمهم، وإن كل الاحاديث التي تمدح أو تذم أقواما أو بلدانا أو قبائل، فهي محل نظر. وإن صحت فهي أحاديث عن التاريخ تخص حالة هذه الشعوب في صدر الاسلام وقرونه الاولى. كانت هذه هي النظرة السائدة بيننا، وأن الامة اليوم كلها تعيش حالة جاهلية وتخضع لسيطرة الكفر العالمي ووكلائه، ولا أحد من شعوبها أفضل من أحد، بل قد يكون الايرانيون أسوأ حالا من غيرهم، لانهم أصحاب حضارة كافرة عريقة، وأمجاد قومية يعمل الغرب والشاه على بعثها
[ 194 ]
فيهم، وتربيتهم على الاعتزاز بها والتعصب لها... وحتى إذا فاجأت المسلمين في العالم أحداث الثورة الاسلامية في ايران، وحدث انتصارها، فرحت قلوبهم المهمومة فرحا لم تعرفه منذ قرون، وضاعف منه أنه نصر غير محتسب. وعمت أعمال التعبير عن فرحتهم، كل بلادهم. وكان منها أحاديث الناس عن فضل العجم والفرس وقوم سلمان، وكان عنوان مجلة المعرفة التونسية " الرسول يختار الفرس لقيادة الامة الاسلامية " واحدا من مئات العناوين في منشورات مغرب العالم الاسلامي ومشرقه، التي تعني أننا استعدنا ذاكرتنا عن الايرانيين، واكتشفنا أن أحاديث النبي صلى الله عليه وآله عنهم لم تكن تاريخا فقط، بل مستقبلا أيضا. ورجعنا إلى مصادر الحديث والتفسير نتتبع أخبار الايرانيين ونتفحصها، فإذا بها تخص المستقبل أكثر من الماضي، وإذا بها في مصادر السنة أكثر منها في مصادر الشيعة. ماذا نصنع إذا كانت أحاديث المهدي المنتظر والتمهيد لدولته فيها السهم الاوفر للايرانيين واليمانيين، الذين ينالون شرف التمهيد لدولته والمشاركة في حركته . وفيها نصيب للنجباء من مصر، والابدال من الشام، والعصائب من العراق. وفيها حظ لمؤمنين متفرقين من أطراف العالم الاسلامي، يكونون أيضا من خاصة أصحابه ووزارئه، أرواحنا فداه وفداهم. ونحن نستعرض الاحاديث الواردة حول الايرانيين بشكل عام. ثم حول دورهم في عصر الظهور.
[ 195 ]
الايات والاحاديث في مدح الايرانيين وردت الاحاديث حول الايرانيين وحول الآيات المفسرة بهم بتسعة عناوين: " قوم سلمان. أهل المشرق. أهل خراسان. أصحاب الرايات السود. الفرس. بني الحمراء أو الحمراء. أهل قم. أهل الطالقان " وستري أن المقصود فيها غالبا واحد. وقد تكون أحاديث أخر عبرت عنهم بعناوين أخرى أيضا. في تفسير قوله تعالى: وان تتولوا يستبدل قوما غيركم قال عزوجل " ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله، فمنكم من يبخل، ومن يبخل فإنما يبخل على نفسه، والله الغني وأنتم الفقراء. وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم، ثم لا يكونوا أمثالكم " محمد - 38. قال صاحب الكشاف ج 4 ص 331 " وسئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن القوم وكان سلمان إلى جنبه فضرب على فخذه وقال: " هذا وقومه. والذي نفسي بيده لو كان الايمان منوطا بالثريا لتناوله رجال من فارس ". وقال صاحب مجمع البيان " روي عن الامام الباقر قال: " ان تتولوا يا معشر العرب، يستبدل قوما غيركم، يعني الموالي ". وقال صاحب الميزان ج 18 ص 250 " في الدر المنثور: أخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، والترمذي، وابن جرير، وابن أي حاتم، والطبراني في الاوسط، والبيهقي في الدلائل. عن أبي هريرة قال: تلا
[ 196 ]
رسول الله هذه الاية " وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم، ثم لا يكونوا أمثالكم. فقالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين إن تولينا استبدلوا بنا ؟ فضرب رسول الله صلى الله عليه وآله على منكب سلمان ثم قال: هذا وقومه. والذي نفسي بيده لو كان الايمان منوطا بالثريا لتناوله رجال من فارس " وروي بطرق أخرى عن أبي هريرة مثلره. وكذا عن ابن مردويه عن جابر مثله ". وفي الحديث الشريف معنيان متفق عليهما، وهما: أن الفرس هم الخط الثاني عند الله تعالى لحمل الاسلام بعد العرب، والسبب في ذلك أنهم يصلون إلى الايمان مهما كان بعيدا عنهم، وكان طريقه صعبا. كما أن فيه ثلاثة أمور محل بحث: أولها: هل أن هذا التهديد للعرب باستبدال الفس بهم خاص بوقت نزول الاية في عصر النبي صلى الله عليه وآله أو مستمر في كل جيل، بحيث يكون معناه: إن توليتم في أي جيل يستبدل بكم الفرس ؟ والظاهر أنه مستمر، بحكم قاعدة أن خصوص المورد لا يخصص الوارد، وأن آيات القرآن تجري في كل جيل مجرى الشمس والقمر، كما ورد في الحديث واتفق عليه المفسرون. وثانيها: أن الحديث الشريف يخبر أن رجالا من فارس ينالون الايمان أو العلم، ولا يخبر أنهم كلهم ينالونه. فهو مدح لافراد نابغين منهم وليس لهم جميعا. ولكن الظاهر من الاية والحديث أنهما مدح للفرس بشكل عام لانه يوجد فيهم رجال ينالون الايمان والعلم. خاصة إذا لاحظنا أن الحديث عن قوم يخلفون العرب في حمل الاسلام. فالمدح للقوم بسبب أنهم أرضية للنابغين، وأهل لاطاعتهم والاقتداء بهم. وثالثها: هل وقع إعراض العرب عن الاسلام واستبدال الفرس بهم، أم لا ؟
[ 197 ]
والجواب: أنه لا إشكال عند أحد من أهل العلم أن العرب وغيرهم من المسلمين في عصرنا قد أعرضوا وتولوا عن الاسلام. وبذلك يكون وقع فعل الشرط " إن تتولوا " ويبقى جوابه وهو الوعد الالهي باستبدال الفرس بهم. كما لا اشكال عند المنصفين أن هذا الوعد الالهي بدأ يتحقق. بل تدل الرواية التالية الواردة في تفسير نور الثقلين على أن هذا الاستبدال قد حصل في العصر الاموي عندما انصرف العرب إلى الاهتمام بالمراكز والاموال وانكب الفرس على علوم الاسلام. فعن الامام الصادق قال " قد والله أبدل خيرا منهم، الموالي " وتعبير الموالي وان كان يشمل يومها غير الفرس أيضا من الترك والروم الذين دخلوا في الاسلام، ولكن الفرس كانوا يشكلون أكثريتهم وثقلهم، خاصة بملاحظة معرفة الامام الصادق بتفسير النبي صلى الله عليه وآله للاية بالفرس. في تفسير قوله تعالى: وآخرين منهم لما يلحقوا بهم قال عزو جل " هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم، يتلو عليهم آياته، ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين. وآخرين منهم لما يلحقوا بهم، وهو العزيز الحكيم " الجمعة 2 - 3. روى مسلم في صحيحة ج 4 ص 72 عن أبي هريرة قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله فأنزلت سورة الجمعة فتلاها حتى بلغ " وآخرين منهم لما يلحقوا بهم " فقال له رجل: من هؤلاء الدين لم يلحقوا بنا ؟ فلم يكلمه. قال أبو هريرة: وكان سلمان الفارسي فينا فوضع رسول الله صلى الله عليه وآله يده على سلمان وقال: " والدي نفسي بيده لو كان الايمان بالثريا لتناوله رجال من هؤلاء ". وفي تفسير علي بن ابراهيم: " وقوله: وآخرين منهم لما يلحقوا بهم " قال: دخلوا
[ 198 ]
الاسلام بعدهم " وقال في مجمع البيان " وهم كل من بعد الصحابة إلى يوم القيامة " ثم قال: وقيل وهم الاعاجم ومن لا يتكلم بلغة العرب، فإن النبي صلى الله عليه وآله مبعوث إلى من شاهده والى من بعدهم من العجم والعرب. عن أبي عمر وسعيد بن جبير. وروي ذلك عن أبي جعفر ". ومقتضي اطلاق " وآخرين منهم " أن يشمل كل من أسلم بعد الجيل المعاصر للنبي صلى الله عليه وآله سواء كانوا من العرب أو غيرهم. ولكن المقابلة بين الاميين والاخرين ترجح ان يكون المقصود بالاميين العرب وبالاخرين من يسلم من غيرهم، كما تقول بعض الروايات عن الائمة من أهل البيت ، وكما اختاره صاحب الكشاف. وعلى هذا، يكون تفسير النبي صلى الله عليه وآله الاية بالفرس تطبيقا على مصداق مهم للاخرين، أو على أهم مصاديقها. ومجرد التطبيق قد لا يدل على كبير فضل، ولكن مدح النبي صلى الله عليه وآله لهم بأنهم يصلون إلى الايمان أو العلم أو الاسلام، مهما كان بعيدا، وتعمده صلى الله عليه وآله تكرار نفس كلامه الشريف في تفسير الايتين، وضربه على منكب سلمان رضي الله عنه، يدل على ذلك. في تفسير قوله تعالى: بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد قال عزوجل " وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الارض مرتين، ولتعلن علوا كبيرا. فإذا جاء وعد اولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا اولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار، وكان وعدا مفعولا. ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا. إن أحسنتم أحسنتم لانفسكم، وإن أساتم فلها، فإذا جاء وعد الاخرة ليسؤوا وجوهكم، وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا " الاسراء 4 - 7
[ 199 ]
في تفسير نور الثقلين عن روضة الكافي عن الامام الصادق في تفسير قوله تعالى " بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد " قال " قوم يبعثهم الله قبل خروج القائم فلا يدعون وترا لال محمد صلى الله عليه وآله إلا قتلوه ". وروى العياشي في تفسيره عن الامام الباقر أنه كان يقرأ قوله تعالى " بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بإس شديد " ثم قال: " وهو القائم وأصحابه، أولو بأس شديد ". وفي البحار ج 60 ص 216 عن الامام الصادق ، " أنه قرأ هذه الاية. فقلنا جعلنا فداك، من هؤلاء ؟ فقال ثلاثا: هم والله أهل قم، هم والله أهل قم، هم والله أهل قم " وقد تقدم الكلام في تفسيرها في دور اليهود في عصر الظهور. اما الاحاديث الواردة من طرق الفريقين في مدح الايرانيين ومستقبل دورهم في حمل الاسلام، فهي كثيرة. منها: حديث: ليضربنكم على الدين عودا قال ابن ابي الحديد في شرح النهج ج 20 ص 284 " جاء الاشعث إليه (إلى امير المؤمنين) ، فجعل يتخطى الرقاب حتى قرب منه، ثم قال له: يا أمير المؤمنين غلبتتا هذه الحمراء على قربك، يعني العجم، فركض المنبر برجله حتى قال صعصعة بن صوحان: مالنا وللاشعث ! ليقولن أمير المؤمنين اليوم في العرب قولا لا يزال يذكر. فقال : من عذيري من هؤلاء الضياطرة، يتمزغ أحدهم على فراشه تمزغ الحمار، ويهجر قوما للذكر ! أفتأمرني أن أطردهم ؟ ! ما كنت لاطردهم فأكون من الجاهلين. أما والدي فلق الحبة وبرأ النسمة، ليضربنكم على
[ 200 ]
الدين عودا كما ضربتموهم عليه بدءا ". والضياطرة: جمع ضيطر، الرجل الضخم الفارغ. والاشعث بن قيس رئيس قبيلة كندة الكبيرة، ومن رؤوس المنافقين. وقد شارك هو في مؤامرة قتل أمير المؤمنين . وقامت بنته جعدة بسم زوجها الامام الحسن . وشارك ابنه محمد بن الاشعث في قتل الامام الحسين . وتشير الرواية إلى أنه لم يجلس في آخر المصلين كما تقضي الاداب الاسلامية، بل أخذ يشق الصفوف ويتخطى الرقاب يريد الصلاة في الصف الاول، فرأى احتشاد الايرانيين عند منبر أمير المؤمنين ، فقال بصوت مرتفع، مخاطبا أمير المؤمنين ومقاطعا خطبته: - يا أمير المؤمنين غلبتنا هذه الحمراء على قربك ! والعرب تسمي الاخضر أسود، ومنه تسمية العراق أرض السواد. وتسمي الابيض أحمر، ومنه تسمية العجم الحمراء وبني الحمراء. فضرب أمير المؤمنين المنبر برجله مكررا يقول بذلك للاشعث: ماذا قلت ! ثم أطرق وسكت يفكر فيما يجيبه به. أما صعصعة بن صوحان العبدي وهو من خيرة اصحاب أمير المؤمنين ، فقد أدرك خطورة ما حدث، وان الاشعث يطرح خلافة المسلمين على أنها قيمة دنيوية يملكها العرب الذين هم الاشعث وأمثاله ! وأنه لا يحق لهؤلاء المسلمين البيض الجدد أن يحيطوا بالامام ويكونوا اقرب إليه من الاشعث ! وبما أن صعصعة يعرف الموازين الاسلامية التي يؤمن بها أمير المؤمنين فقد عرف ان جوابه سيكون حاسما، فقال متذمرا من الاشعث " ما لنا وللاشعث " أثار هذه النعرة العشائرية القومية ضد






رد مع اقتباس
قديم 02-28-2011, 01:57 PM رقم المشاركة : 3
معلومات العضو

الصورة الرمزية المعارف
إحصائية العضو






المعارف is on a distinguished roadالمعارف is on a distinguished roadالمعارف is on a distinguished road
 

المعارف غير متواجد حالياً

 


عدد الترشيحات : 122
عدد المواضيع المرشحة : 84
عدد مرات الفوز : 0
كاتب الموضوع : المعارف المنتدى : منتدى الكتب الاسلامية
افتراضي

<div align="center"><font color="blue">[ 200 ]
الدين عودا كما ضربتموهم عليه بدءا ". والضياطرة: جمع ضيطر، الرجل الضخم الفارغ. والاشعث بن قيس رئيس قبيلة كندة الكبيرة، ومن رؤوس المنافقين. وقد شارك هو في مؤامرة قتل أمير المؤمنين . وقامت بنته جعدة بسم زوجها الامام الحسن . وشارك ابنه محمد بن الاشعث في قتل الامام الحسين . وتشير الرواية إلى أنه لم يجلس في آخر المصلين كما تقضي الاداب الاسلامية، بل أخذ يشق الصفوف ويتخطى الرقاب يريد الصلاة في الصف الاول، فرأى احتشاد الايرانيين عند منبر أمير المؤمنين ، فقال بصوت مرتفع، مخاطبا أمير المؤمنين ومقاطعا خطبته: - يا أمير المؤمنين غلبتنا هذه الحمراء على قربك ! والعرب تسمي الاخضر أسود، ومنه تسمية العراق أرض السواد. وتسمي الابيض أحمر، ومنه تسمية العجم الحمراء وبني الحمراء. فضرب أمير المؤمنين المنبر برجله مكررا يقول بذلك للاشعث: ماذا قلت ! ثم أطرق وسكت يفكر فيما يجيبه به. أما صعصعة بن صوحان العبدي وهو من خيرة اصحاب أمير المؤمنين ، فقد أدرك خطورة ما حدث، وان الاشعث يطرح خلافة المسلمين على أنها قيمة دنيوية يملكها العرب الذين هم الاشعث وأمثاله ! وأنه لا يحق لهؤلاء المسلمين البيض الجدد أن يحيطوا بالامام ويكونوا اقرب إليه من الاشعث ! وبما أن صعصعة يعرف الموازين الاسلامية التي يؤمن بها أمير المؤمنين فقد عرف ان جوابه سيكون حاسما، فقال متذمرا من الاشعث " ما لنا وللاشعث " أثار هذه النعرة العشائرية القومية ضد
[ 201 ]
الفرس، وأوجب أمير المؤمنين ان يتكلم لمصلحتهم ضد العرب. ورفع أمير المؤمنين رأسه من إطراقته الطويلة، ولكن لا لينظر إلى الاشعث ويجيبه، بل أعرض عنه وخاطب المسلمين ان ينصفوه من هؤلاء الاشاعثة الضياطرة ومنطقهم: " من يعذرني من هؤلاء الضياطرة " وينصفني من ظلمهم. واحدهم فارغ الشخصية من الفكر والهدف، اللهم الا البلادة والاخلاد إلى النوم والشهوة، والتقلب على فراشه من الترف والتخمة. " يتمرغ أحدهم على فراشه تمرغ الحمار " ولا يكتفي بفراغ شخصيته وكسله واخلاده إلى الطين بل " يهجر قوما للذكر " ويزدريهم ويعطن عليهم لانهم تهوي افئدتهم إلى الذكر وأهله، ويلتفون حول إمامه ومنبره. " أفتأمرني أن أطردهم " كما أراد الملا من قوم نوح عندما قالوا له " ما نراك اتبعك إلا الدين هم أراذلنا " بل جوابي لك جواب نبي الله نوح لضياطرة قومه " ما كنت لاطردهم فأكون من الجاهلين ". ثم ختم كلامه بالقسم على بعض ما اخبره به النبي صلى الله عليه وآله عن مستقبل هؤلاء الملتفين حول المنبر وقومهم " أما والدي فلق الحبة وبرأ النسمة، ليضربنكم على الدين عودا، كما ضربتموهم عليه بدءا " وهو يدل على أن الوعد الالهي سيتحقق في العرب فيتولوا عن الدين، ويستبدل الله تعالى بهم الفرس، ولا يكونوا أمثالهم. ويدل على ان الفتح الاسلامي في هذه المرة سيكون ابتداء من ايران في طريق القدس والتمهيد للمهدي . حديث: يكونون أسدا لا يفرون رواه احمد في مسنده ج 5 ص 11 عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال " يوشك أن
[ 202 ]
يملا الله تبارك وتعالى أيديكم من العجم، ثم يكونون أسدا لا يفرون، فيقتلون مقاتلتكم، ولا يأكلون فيأكم " ورواه أبو نعيم في كتابه " ذكر اصبهان " ص 13 بعدة طق عن حذيفة، وعن سمرة بن جندب، وعن عبد الله بن عمر، الا أنه قال فيه " ويأكلون فيأكم ". حديث الغنم السود والبيض رواه الحافظ أبو نعيم في كتابه " ذكر اصبهان " ص 8 - 10 بعدة طرق، عن أبي هريرة، وعن رجل من الصحابة، وعن النعمان بن بشير، وعن مطعم بن جبير، وعن أبي بكر، وعن ابن أبي ليلى، وعن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وآله واللفظ لحذيفة " قال رسول الله صلى الله عليه وآله إني رأيت الليلة كأن غنما سودا تتبعني ثم أردفها غنم بيض حتى لم أر السود فيها. فقال أبو بكر: هذه الغنم السود العرب تتبعك، وهذه الغنم البيض هي العجم تتبعك فتكثر حتى لا ترى العرب فيها. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله هكذا عبرها الملك ". وفي رواياته صيغ متعددة ليس فيها تعبير أبي بكر، وفي بعضها أنه صلى الله عليه وآله رأى أنه يسقي غنما سوداء فجاءته غنم كثيرة بيضاء. الخ. حديث: فارس عصبتنا أهل البيت رواه أبو نعيم ايضا في المصدر المذكور ص 11 عن ابن عباس قال " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وذكرت عنده فارس فقال " فارس عصبتنا أهل البيت ".
[ 203 ]
حديث: لانا أوثق بهم منكم رواه أبو نعيم في المصدر المذكور ص 12 عن أبي هريرة قال " ذكرت الموالي أو الاعاجم عند رسول الله صلى الله عليه وآله فقال " والله لانا أوثق بهم منكم (أو من بعضكم) وروى قريبا منه الترمذي في سننه ج 5 ص 382، والاعاجم هنا أعم من العجم، وتشمل غير العرب من الفرس وغيرهم. حديث: وهل الناس الا فارس والروم رواه أبو نعيم في المصدر المذكور ص 11 عن أبي هريرة ان النبي صلى الله عليه وآله قال " لتأخذن أمتي ما أخذ (ما أخذ) الامم والقرون قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع. قيل يا رسول الله كما فعلت فارس والروم ؟ قال صلى الله عليه وآله ومن الناس إلا أولئك ". وفي هذا الحديث اشارة إلى حقيقة حضارية هي أن الفرس والروم أي الغربيين يشكلون ثقل الحضارة البشرية في التاريخ. وها نحن نشاهد في عصرنا أنه لا يوجد شعب يشكل طرف الصراع الحضاري مع الغربيين مثل الفرس. الايرانيون وبداية التمهيد للمهدي تتفق مصادر الحديث الشيعية والسنية حول المهدي على
[ 204 ]
أنه يظهر بعد حركة تمهيدية له. وعلى أن أصحاب الرايات السود من ايران يمهدون لدولته ويوطئون له سلطانه. وتتفق أيضا على الشخصيتين الموعودتين من ايران: السيد الخراساني أو الهاشمي الخراساني، وصاحبه شعيب بن صالح. إلى آخر ما ورد من أحاديثهم في مصادر الفريقين. ولكن مصادرنا الشيعية تضيف إلى الايرانيين ممهدين آخرين لدولة المهدي هم اليمانيون. كما توجد في مصادرنا أحاديث عديدة تدل بنحو مطلق على أنه تقوم قبل ظهوره دولة أو قوة أو كيان أو حركة ثائرة مجاهدة. مثل الحديث القائل " يأتي ولله سيف مخترط " إذا صح أنه موجود حيث أورده صاحب كتاب يوم الخلاص وذكر له خمسة مصادر ولم أجده فيها، وكذلك موارد عديدة ذكر لها مصادر ! رزقنا الله الدقة والامانة في النقل. ومثل حديث أبان بن تغلب عن الامام الصادق قال " سمعت أبا عبد الله يقول: " إذا ظهرت راية الحق لعنها أهل الشرق وأهل الغرب ! أتدري لم ذلك ؟ قلت لا. قال: للذي يلقى الناس من أهل بيته قبل ظهوره " البحار ج 52 ص 63، وهو يدل على أنه أهل بيته من بني هاشم وأتباعهم يكونو قد أزعجوا أهل الغرب والشرق قبله، حتى إذا فاجأهم ظهور المهدي فقدوا أعصابهم من هذه المصيبة الجديدة. وحديث روضة الكافي المتقدم في تفسير قوله تعالى " بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد " عن الامام الصادق قال " قوم يبعثهم الله قبل خروج القائم، فلا يدعون وترا لال محمد صلى الله الله عليه وآله إلا قتلوه ". إلى غير ذلك من الاحاديث التي تدل على أن التمهيد له يكون بقوة عسكرية واعلامية عالمية حتى " يلهج الناس بذكره " كما في بعض الاحاديث. فأحاديث التمهيد اذن ثلاث مجموعات: أحاديث دولة أصحاب
[ 205 ]
الرايات السود المتفق عليها عند الفريقين. وأحاديث دولة اليماني الواردة في مصادرنا خاصة، ويشبها ما في بعض مصادر السنة عن ظهور يماني بعد المهدي . والاحاديث الدالة على ظهور ممهدين قبل ظهوره بدون تحديدهم. وسوف ترى أنها بشكل عام تنطبق على الممهدين الايرانيين واليمانيين. وقد حددت الاحاديث الشريفة زمان قيام دولة اليمانيين الممهدين بأنه يكون في سنة ظهور المهدي مقارنا لخروج السفياني المعادي له في بلاد الشام، أو قريبا منه كما ستعرف. أما دولة الممهدين الايرانيين فتقسم إلى مرحلتين متميزتين: المرحلة الاولى، بداية حركتهم على يد رجل من قم، الذي تكون حركته بداية أمر المهدي ، حيث ذكر الاحاديث أنه " يكون مبدؤه من قبل المشرق ". والمرحلة الثانية، ظهور الشخصيتين الموعودتين فيهم، السيد الخراساني وقائد قواته الشاب الاسمر المسمى في الاحاديث شعيب بن صالح. كما يمكن تقسيم دور الممهدين الايرانيين بحسب الاحداث التي ورد ذكرها في الاحاديث إلى أربع مراحل أيضا. الاولى: من بداية حركتهم على يد رجل من قم إلى دخولهم في حرب. الثانية: خوضهم حربا طويلة إلى أن يفرضوا مطالبهم على أعدائهم. الثالثة: مرحلة رفضهم لمطالبهم السابقة، وقيام ثورتهم الشاملة. الرابعة: تسليمهم الراية إلى الامام المهدي ، ومشاركتهم في حركته المقدسة. وقد ذكرت بعض الروايات أن ظهور الخراساني وشعيب يكون في
[ 206 ]
أثناء حربهم، وأنهم يرون أن الحرب قد طالت عليهم فيأتون به على كره منه ويولونه عليهم، فيأتي بشعيب لقيادة قواته. وقد ورد في عدة روايات تحديد المرحلة الاخيرة من تمهيدهم المتصلة بظهور المهدي بست سنوات، وهي مرحلة الخراساني وشعيب، فعن محمد بن الحنفية قال " تخرج راية سوداء لبني العباس، ثم تخرج من خراسان سوداء أخرى قلانسهم سود وثيابهم بيض، على مقدمتهم رجل يقال له شعيب بن صالح أو صالح بن شعيب من بني تميم، يهزمون أصحاب السفياني، حتى تنزل ببيت المقدس، توطئ للمهدي سلطانه. يمد إليه ثلاث ماية من الشام، يكون بين خروجه وبين أن يسلم الامر للمهدي إثنان وسبعون شهرا " مخطوطة ابن حماد ص 84، وقريب منه ص 74. وفي مقابل هذه الروايات توجد روايات تقول ان ظهور الخراساني وشعيب مقارن لظهور اليماني والسفياني. فعن الامام الصاق قال " خروج الثلاثة الخراساني والسفياني واليماني في سنة واحدة في شهر واحد، في يوم واحد. وليس فيها بأهدى من راية اليماني، يهدي إلى الحق " البحار ج 52 ص 210، وعن الامام الباقر قال " خروج السفياني واليماني والخراساني في سنة واحدة في شهر واحد، في يوم واحد. نظام كنظام الخرز يتبع بعضه بعضا. فيكون البأس من كل وجه. ويل لمن ناواهم. وليس في الرايات أهدى من راية اليماني، هي راية هدى، لانه يدعو إلى صاحبكم " البحار ج 52 ص 232، ويبدو أن المقصود بأن خروج الثلاثة متتابع كنظام الخرز مع أنه في يوم واحد: أن أحداث خروجهم مترابطة سياسيا. وقد تكون بدايتها في يوم واحد ثم تتابع حركتهم واستحكام أمرهم مثل تتابع الخرز المنظوم. ومع أن روايات الاثنين وسبعين شهرا قابلة للتصديق، حيث رويت بطرق متعددة عن محمد الحنفية رضي الله عنه، الذي تذكر الاخبار أنه
[ 207 ]
كان عنده صحيفة من أبيه أمير المؤمنين كتبها عن رسول الله صلى الله عليه وآله فيها أحداث الملاحم الكائنة بل ذكرت بعض الروايات أن فيها أسماء من يحكم المسلمين إلى يوم القيامة، وأنه ورثها منه ولده أبو هاشم وأخبر العباسين بأسماء من يحكم منهم. ولكن مع ذلك، فان المرجح في أمر الخراساني وشعيب الروايات القائلة بأن خروجهما مقارن لخروج اليماني والسفياني لانها مسندة عن الائمة المعصومين وسندها أقوى، بل فيها صحيح السند مثل رواية أبي بصير عن الامام الباقر . وسواء كانت هذه المرحلة من دولة الممهدين الايرانيين نحو سنة قبل ظهور المهدي كما رجحنا، أو نحو ست سنوات كما هو محتمل، فانها المرحلة الاخيرة من دولتهم. ولكن المشكل معرفة مراحلها الاخرى قبل هذه المرحلة، وكم هي المدة بين بداية دولتهم على يد رجل من قم وبين ظهور السيد الخراساني وشعيب. ؟ فهذه هي الحلقة المفقودة تقريبا في أحاديث الايرانيين التي لم أجد تحديدا صريحا لها في الاحاديث. نعم وجدت اشارات وردت في بعض الاحاديث، سيأتي ذكرها بعد استعراض أهم أحاديث دولتهم. حديث: أن أمر المهدي يبدأ من ايران فمنها الحديث الذي ينص على أن بداية حركة المهدي تكون من المشرق، فعن أمير المؤمنين قال " يكون مبدؤه من قبل المشرق، وإذا كان ذلك خرج السفياني " البحار ج 52 ص 252 عن أربعين الحافظ أبي نعيم.
[ 208 ]
وبما أن المتفق عليه بن العلماء والمتواتر في الاحاديث أن ظهوره يكون من مكة المكرمة، فلابد أن يكون المقصود بقول أمير المؤمنين " يكون مبدؤه من قبل المشرق " أن مبدأ أمره والتمهيد لظهوره يكون من المشرق، أي من ايران. وتدل الرواية أيضا على أن هذه البداية تكون قبل خروج السفياني، وتشير إلى أنه يكون بينها وبين السفياني مدة ليست قصيرة ولا طويلة كثيرا، لانها عطفت خروج السفياني عليها بالواو وليس بالفاء أو بثم " وإذا كان ذلك خرج السفياني " بل تشير أيضا إلى نوع من العلاقة السببية بين بداية التمهيد للمهدي من ايران وبين خروج السفياني، وقد عرفت في حركة السفياني أنها ردة فعل لمواجهة المد الاسلامي الممهد للمهدي . حديث: أتاح الله لامة محمد صلى الله عليه وآله برجل منا أهل البيت ومنها، حديث أبي بصير عن الامام الصادق قال " يا أبا محمد ليس ترى أمة محمد صلى الله عليه وآله فرجا أبدا ما دام لولد بني فلان ملك حتى ينقرض ملكهم. فإذا انقرض ملكهم أتاح الله لامة محمد صلى الله عليه وآله برجل منا أهل البيت يشير (يسير) بالتقى، ويعمل بالهدى، ولا يأخذ في حكمه الرشا. والله إني لاعرفه باسمه واسم أبيه. ثم يأتينا الغليظ القصرة، ذو الخال والشامتين، القائد العادل، الحافظ لما استودع، يملؤها عدلا وقسطا كما ملاها الفجار ظلما وجورا " البحار ج 52 ص 269، وهو حديث ملفت ولكنه ناقص من آخره مع الاسف، فقد نقله صاحب البحار عن كتاب الاقبال لابن طاووس الذي قال في الاقبال ص 599 إنه رآه في سنة اثنتين وستين وستماية في كتاب الملاحم للبطائني، ونقله منه، لكنه رحمه الله نقله ناقصا
[ 209 ]
وقال في آخره " ثم ذكر تمام الحديث " والبطائني من أصحاب الامام الصادق ، وكتابه الملاحم مفقود النسخة، وقد يكون موجودا في المخطوطات المجهولة في زوايا بلادنا الاسلامية. والحديث يدل على أنه يكون سيد من ذرية أهل البيت يحكم قبل ظهور المهدي ويمهد لدولته، ويوجه الناس إلى التقوى " يشير بالتقى. ويعمل بالهدى " أي على حسب أحكام الاسلام. " ولا يأخذ في حكمه الرشا " أي لا يساوم ولا يقبل الرشوة. وهذا السيد من المحتمل أن يكون الامام الخميني. أما بنو فلان في قوله " مادام لولد بني فلان ملك " فلا يلزم أن يكونوا بني العباس كما فهمه المرحوم ابن طاووس، وكذا الامر في الاحاديث العديدة التي عبر فيها الائمة ببني فلان وآل فلان. فأحيانا يكون مقصودهم بني العباس، وأحيانا يكون مقصودهم العوائل والاسر التي تحكم قبل ظهور المهدي . مثلا الاحاديث المتعددة التي تذكر الاختلاف الذي يقع بين بني فلان أو آل فلان من حكام الحجاز، ثم لا يتفق رأيهم على حاكم ويقع الخلاف بين القبائل، ثم يظهر المهدي . لابد أن يكون المقصود ببني فلان فيها غير بني العباس، بل العائلة التي تحكم الحجاز عند ظهور المهدي . وكذا الحديث المروي عن أمير المؤمنين " ألا أخبركم بآخر ملك بني فلان ؟ قلنا بلى أمير المؤمنين. قال: قتل نفس حرام في بلد حرام عن قوم من قريش. والذي فلق الحبة وبرأ النسمة مالهم ملك بعده غير خمسة عشر ليلة " البحار ج 52 ص 234 وغيره من الاحاديث المتعددة التي تذكر اختلاف بني فلان أو هلاك طاغية حاكم منهم وأنه يكون بعده خروج السفياني، أو ظهور المهدي ، أو بعض علامات وأحداث ظهوره القريبة.
[ 210 ]
فإنه لابد من تفسيرها بغير بني العباس الذين انتهى ملكهم منذ مئات السنين. بل لابد من التحقيق في الروايات التي ورد فيها ذكر بني العباس صراحة، حيث قد تكون صدرت عن الائمة بتعبير " بني فلان " و " آل فلان " ورواها الراوي بلفظ بني العباس اعتقادا منه أنهم المقصودون بقول الائمة " بني فلان ". وقد يصح تفسير بني العباس الوارد في أحاديث الظهور بأن المقصود به خطهم المناهض للائمة ، وليس أشخاصهم وذرياتهم. ولكن نادرا ما نحتاج إلى هذا التفسير لان الغالب في روايات الظهور التعبير ببني فلان وآل فلان. وعلى أي حال، فالمقصود ببني فلان في الرواية محل الكلام " مادام لولد فلان ملك حتى ينقرض ملكهم، فإذا انقرض ملكهم أتاح الله لامة محمد برجل منا أهل البيت " حكام جائرون غير بني العباس، يأتي بعدهم هذا السيد الموعود ويحكم بالعدل قبل ظهور المهدي . أما عبارة " ثم يأتينا الغليظ القصرة. ذو الخال والشامتين القائد العادل. " فهي تتحدث عمن يأتي بعد هذا السيد الموعود، والمفهوم منها أنه المهدي الذي هو ذو الخال والشامتين كما ورد في أوصافه. ولكن وصف " الغليظ القصرة " أي البدين القصير لا ينطبق على المهدي لان الروايات تجمع على أنه طويل القامة معتدلها. ولذا يرجح أن يكون سقط من الرواية فقرة أو أكثر باستنساخ ابن طاووس رحمه الله أو غيره من النساخ، وأن يكون هذا الرجل البدين القصير يأتي بعد السيد الموعود، وأن بعض أوصافه الاخرى سقطت. ولذا لا يمكن أن نستفيد من الرواية الاتصال بين هذا السيد الموعود وبين ظهور المهدي .
[ 211 ]
أحاديث قم، والرجل الموعود منها ومنها، حديث قيام رجل من قم وأصحابه، فعن الامام الكاظم قال " رجل من قم، يدعو الناس إلى الحق، يجتمع معه قوم قلوبهم كزبر الحديد، لاتزلهم الرياح العواصف، لا يملون من الحرب ولا يجبنون، وعلى الله يتوكلون، والعاقبة للمتقين " البحار ج 60 ص 216 طبعة ايران، وكذا ما بعدها عن قم. ومن الملاحظ أنه عبر في الرواية ب‍ " رجل من قم " ولم يقل من أهل قم. وهو ينطبق على الامام الخميني الذي هو من أهل خمين وسكان قم. وبأنه " يدعو الناس إلى الحق " وليس أهل قم أو أهل المشرق فقط. وبأنه تواجهه وقومه رياح عواصف، وحرب أو حروب، فيقاتلون ولا يتزلزلون. ولم تذكر الرواية متى يكون هذا الرجل المبشر به وأصحابه، ولكن لم يعهد في تاريخ قم وايران رجل وقومه بهذه الصفات قبل الامام الخميني وأصحابه. ويحتمل أن تكون الرواية ناقصة وأن يكون فيها ذكر مناسبة قولها على الاقل، وقد نقلها صاحب البحار عن كتاب تاريخ قم لمؤلفه الحسن بن محمد الحسن القمي الذي ألفه قبل أكثر من ألف سنة، ولا توجد نسخته الان مع الاسف. قد يقال: نعم لم يعهد في تاريخ قم وايران ظهور هذا الرجل الموعود
[ 212 ]
وقومه ذوي الصفات العظيمة. ولكن لا دليل على انطباقها على الامام الخميني وأصحابه، فقد يكون رجلا آخر وأصحابه، يأتون في عصرنا، أو بعد زمان طويل أو قصير. والجواب، نعم لا يوجد في الرواية تحديد لزمان هذا الحدث كما ذكرنا، ولكن مجموع صفاتها، مضافا إليها ما ورد في الروايات الاخرى العديدة عن قم وايران توجب الاطمئنان بأن المقصود بها الامام الخميني وأصحابه. وليس من المنطقي إذا كان ما أخبر به النبي صلى الله عليه وآله والائمة (ع) ينطبق على حدث أن نغمض عنه أعيننا ونقول انه سوف يأتي حدث آخر مشابه أو أكثر وضوحا وأنه سوف ينطبق عليه ما وعد به النبي وأهل بيته صلى الله عليه وآله. وقد وردت في قم وفضلها ومستقبلها أحاديث عن أهل البيت يظهر منها أن لقم مكانة خاصة عندهم بل إن قما مشروع أسسه الائمة في وسط ايران على يد الامام الباقر سنة 73 هجرية، ثم رعوها رعاية خاصة، وأخبروا بما عندهم من علوم جدهم رسول الله صلى الله عليه وآله أنها سيكون لها شأن عظيم في المستقبل، ويكون أهلها أنصار المهدي المنتظر أرواحنا فداه. وتنص بعض الاحاديث على أن تسميتها بقم جاءت متناسبة مع اسم المهدي القائم بالحق أرواحنا فداه، ومتناسبة مع قيام أهلها ومنطقتها في التمهيد له ونصرته. ووجود قرية قربية منها عند تأسيسها باسم كمندان أو كمد لا يعني أنه لم يلاحظ في تعريبها وتسميتها " قم " سوى تلك المناسبة أو التطوير للاسم الفارسي، خاصة إذا كان تأسيسها من قبل علماء ورواة حديث عن الامام الباقر والامام الصادق، وبتوجيههما عليهما السلام. فعن
[ 213 ]
عفان البصري عن أي عبد الله - أي الامام الصادق - قال " قال لي: أتدري لم سمي قم ؟ قلت الله ورسوله أعلم. قال: إنما سمي قم لان أهله يجتمعون مع قائم آل محمد صلوات الله عليه ويقومون معه، ويستقيمون عليه، وينصرونه " البحار ص 60 ص 216. ان هذه الرواية الشريفة وغيرها من قرائن تأسيس قم على يد عبد الله بن مالك الاشعري وأخيه الاحوص، وجماعتهما الذين هم من خاصة أصحاب الامام الباقر ورواة حديثه، توجب الاطمئنان بأن تأسيسها كان بأمره وأنه هو وضع لها هذا الاسم. وهو اسم يستعمل في روايات أهل البيت مذكرا بمعنى البلد، ومؤنثا بمعنى البلدة، كما أنه يستعمل مصروفا وممنوعا من الصرف. ويظهر من بعض الروايات أن الائمة أعطوا لقم مفهوما أوسع من مدينتها وتوابعها، فاستعملوا اسمها بمعنى خط قم ونهج قم في الولاء لاهل البيت والقيام مع مهديهم الموعود . فقد روى عدة رجال من أهل الري أنهم دخلوا على أبي عبد الله الصادق " وقالوا: نحن من أهل الري فقال: مرحبا بإخواننا من أهل قم. فقالوا: نحن من أهل الري، فقال: مرحبا بإخواننا من أهل قم. فقالوا: نحن من أهل الري. فأعاد الكلام. قالوا ذلك مرارا وأجابهم بمثل ما أجاب به أولا، فقال: إن لله حرما وهو مكة. وإن للرسول (لرسوله) حرما وهو المدينة. وان لامير المؤمنين حرما وهو الكوفة. وإن لنا حرما وهو بلدة قم. وستدفن فيها امرأة من أولادي تسمى فاطمة، فمن زارها وجبت له الجنة " قال الراوي: وكان هذا الكلام منه قبل أن يولد الكاظم " البحار ج 60 ص 216. يعني: أن قما حرم الائمة من أهل البيت إلى المهدي ،
[ 214 ]
أي عاصمة ولايتهم ونصرتهم. وأن أهل الري وغيرها هم من أهل قم لانهم على خطها ونهجها. ولذلك لا يبعد أن يكون المقصود بأهل قم في الروايات الشريفة، ونصرتهم للمهدي ، كل أهل ايران الذين هم على خطهم في ولاية أهل البيت والجهاد. بل يشمل غيرهم من المسلمين أيضا. ومعنى قول الراوي " وكان هذا الكلام منه قبل أن يولد الكاظم " أن الامام الصادق أخبر عن ولادة حفيدته فاطمة بنت موسى بن جعفر قبل ولادة أبيها الكاظم أي قبل سنة 128 هجرية، وأخبر أنها سوف تدفن في قم. ثم تحقق ذلك بعد أكثر من سبعين سنة. فقد " روى مشايخ قم أنه لما أخرج المأمون علي بن موسى الرضا من المدينة إلى مرو سنة مئتين خرجت فاطمة أخته في سنة وإحدى تطلبه، فلما وصلت إلى ساوة مرضت فسألت كم بيني وبين قم ؟ فقالوا: عشرة فراسخ. " لما وصل الخبر إلى آل سعد - أي سعد بن مالك الاشعري - اتفقوا وخرجوا إليها أن يطلبوا منها النزول في بلدة قم. فخرج من بينهم موسى بن خزرج فلما وصل إليها أخذ زمام ناقتها وجرها إلى قم، وأنزلها في داره. فكانت فيها ستة (سبعة) عشر يوما ثم قضت إلى رحمة الله ورضوانه، فدفنها موسى بعد التغسيل والتكفين في أرض له، وهي التي الان مدفنها، وبنى على قبرها سقفا من البواري. إلى أن بنت زينب بنت الجواد عليها قبة " البحار ج 60 ص 219. ويظهر من الروايات أن فاطمة هذه كانت عابدة مقدسة مباركة شبيهة جدتها فاطمة الزهراء عليها السلام، وأنها على صغر سنها كانت لها مكانة جليلة عند أهل البيت . وعند كبار فقهاء قم ورواتها، حيت قصدوها إلى ساوه وخرجوا في استقبالها، ثم أقاموا على قبرها بناء بسيطا، ثم بنوا عليه قبة وجعلوه مزارا، وأوصى العديد منهم أن يدفنوا في جوارها.
[ 215 ]
وقد ورد أن عمرها رضي الله عنها كان قصيرا لم يصل إلى العشرين سنة، ولعل تسمية الايرانيين لها " معصومه فاطمة " أو " معصومه قم " بسبب صغر سنها، لان معصوم بالفارسية بمعنى البرئ ويوصف بها الطفل البرئ. ولعله لطهارتها وعصمتها عن الذنوب، فإن العصمة في مذهبنا على قسمين، عصمة واجبة وقد ثبتت للمعصومين الاربعة عشر ، وعصمة جائزة وقد ثبتت وتثبت لكبار أولياء الله تعالى المقدسين المطهرين عن الذنوب. ويظهر من الحديث التالي عن الامام الرضا أن إعداد الائمة لاهل قم لنصرة المهدي المنتظر أرواحنا فداه، كان من أول تأسيسها، وأن حب القميين للمهدي كان معروفا عنهم قبل ولادته. فعن صفوان بن يحيى قال " كنت يوما عند أبي الحسن فجرى ذكر أهل قم وميلهم إلى المهدي فترحم عليهم وقال: رضي الله عنهم، ثم قال: إن للجنة ثمانية أبواب، واحد منها لاهل قم. وهم خيار شيعتنا من بين سائر البلاد، خمر الله تعالى ولايتنا في طينتهم " البحار ج 60 ص 216. وقد ورد أن أبواب الجنة مقسمة لفئات الناس بحسب أعمالهم، فلا يبعد أن يكون المعنى أن أهل قم يدخلون من باب المجاهدين مع أهل البيت والمهدي ، أو من باب الاخيار كما ورد في صفتهم. وقوله " وهم خيار شيعتنا من بين سائر البلاد " يدل على تفضيلهم على بقية الشيعة. ومن الملاحظة أن حب أهل قم للامام المهدي قد حافظ على حيويته وحرارته إلى عصرنا. بل لقد تفجر في عصرنا بثورتهم. وهو يظهر في إيمانهم وأعمالهم وشعائرهم، وفي كثرة تسمياتهم لابنائهم
[ 216 ]
ومساجدهم ومؤسساتهم بأسم المهدي، حتى لا يكاد يخلو منه بيت. وتدل بعض الروايات أن البلاء مدفوع عن أهل قم، وأن الله تعالى يقصم الجبارين الذين يقصدون بها السوء. فعن أبان بن عثمان وحماد الناب قالا " كنا عند أبي عبد الله (أي الامام الصادق) ونحن جماعة، إذ دخل عليه عمران بن عبد الله القمي فسأله وبره وبشه، فلما أن قام قلت لابي عبد الله: من هذا الذي بررت به هذا البر ؟ فقال: من أهل البيت النجباء، يعني أهل قم. ما أرادهم جبار من الجبابرة إلا قصمه الله " البحار ج 60 ص 211. وفي رواية " فإن البلاء مدفوع عنها " ص 214، وفي رواية " وأهلها منا ونحن منهم، لا يريدهم جبار بسوء إلا عجلت عقوبته ما لم يخونوا إخوانهم (وفي نسخة ما لم يحولوا أحوالهم) فإذا فعلوا ذلك سلط الله عليهم جبابرة سوء. أما إنهم أنصار قائمنا ودعاة) حقنا. ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم اعصمهم من كل فتنة، ونجهم من كل هلكة " ص 218. وعن الامام الصادق " وإن البلايا مدفوعة عن قم وأهله، وسيأتي زمان تكون قم وأهلها حجة على الخلائق وذلك في زمان عيبة قائمنا إلى ظهوره، ولولا ذلك لساخت الارض بأهلها. وان الملائكة لتدفع البلايا عن قم واهله، وما قصده جبار بسوء الا قصمه قاصم الجبارين، وشغله عنهم بداهية أو مصيبة أو عدو، وينسي الله الجبابرين في دولتهم ذكر قم وأهله كما نسوا ذكر الله " ص 213. ولا يعني ذلك أن البلاء والسوء لا يصيب أهل قم أبدا، فقد يصيبهم شئ منه، ولكنه تعالى يدفعه عنهم وينصرهم، بألطاف متنوعة، من أبرزها إهلاك الطغاة، أو إشغالهم عنهم، تفكيرهم بهم. وقد تحدثت روايتان عن الامام الصادق عن مستقبل قم
[ 217 ]
ودورها العقائدي قرب ظهور المهدي إلى أن يظهر، رواهما في البحار ج 60 ص 213. تقول الاولى منها " إن الله احتج بالكوفة على سائر البلاد، وبالمؤمنين من أهلها على غيرهم من أهل البلاد. واحتج ببلدة قم على سائر البلاد، وبأهلها على جميع أهل المشرق والمغرب من الجن والانس ولم يدفع قم وأهله مستضعفا بل وفقهم وايدهم. ثم قال: إن الدين وأهله بقم ذليل، ولولا ذلك لاسرع الناس إليه فخرب قم وبطل أهله فلم يكن حجة على سائر البلاد. وإذا كان كذلك لم تستقر السماء والارض ولم ينظروا طرفة عين. وان البلايا مدفوعة عن قم وأهله. وسيأتي زمان تكون بلدة قم وأهلها حجة على الخلائق، وذلك في زمان غيبة قائمنا إلى ظهوره، ولولا ذلك لساخت الارض بأهلها. وإن الملائكة لتدفع البلايا عن قم وأهله، وما قصده جبار بسوء إلا قصمه قاصم الجبارين، وشغله عنه بداهية أو مصيبة أو عدو. وينسي الله الجبارين في دولتهم ذكر قم وأهله، كما نسوا ذكر الله ". وتقول الثانية " ستخلا كوفة من المؤمنين، ويأزر عنها العلم كما تأزر الحية في جحرها، ثم يظهر العلم ببلدة يقال لها قم، وتصير معدنا للعلم والفضل حتى لا يبقى في الارض مستضعف في الدين حتى المخدرات في الحجال، وذلك عند قرب ظهور قائمنا، فيجعل الله قم وأهل قائمين مقام الحجة، ولولا ذلك لساخت الارض بأهلها ولم يبق في الارض حجة. فيفيض العلم منه إلى سائر البلاد في المشرق والمغرب، فتتم حجة الله على الخلق حتى لا يبقى أحد لم يبلغ إليه الدين والعلم. ثم يظهر القائم ويصير سببا لنقمة الله وسخطه على العباد، لان الله لا ينتقم من العباد، لان الله لا ينتقم من العباد إلا بعد إنكارهم حجة ". ويظهر من هذين النصين عدة أمور: أولها: أن الروايتين قد نقلتا بالمعنى. وقد يكون فيهما مضافا إلى ذلك تقديم وتأخير. ولكن المهم المعنى الذي تضمنتاه.
[ 218 ]
ثانيهما: يظهر منهما أن دور الكوفة في العلم والتشيع لاهل البيت كان كبيرا، ولكنه ينتهي إلى الاضمحلال عند قرب ظهور المهدي . والكوفة تشمل النجف، لان اسمها بالاصل نجف الكوفة، أو نجفة الكوفة. بل قد يقصد منها العراق كما ذكرنا في محله، وأما دور قم فيستمر. ثم يتعاظم قرب ظهور المهدي " وذلك في زمان غيبة قائمنا إلى ظهوره " " وذلك عند قرب ظهور قائمنا ". وثالثها: أن دور قم العقائدي قرب ظهور المهدي لا يكون مختصا بايران أو بالشيعة فقط، بل يكون لكل العلم حتى غير المسلمين " وسيأتي زمان تكون قم وأهلها حجة على الخلائق " " حتى لا يبقى مستضعف في الذين " حتى لا يبقى أحد على الارض لم يبلغ إليه العلم والدين " ولا يعني ذلك أن العلم والدين يصل من قم وأهلها إلى كل فرد من شعوب العالم، بل يعني أن صوت الاسلام وطرحه يصل إلى شعوب العالم بحيث إذا أراد أحد أن يتعرف على معالم الاسلام تمكن من ذلك. ومثل هذا الدور العقائدي الاعلامي لقم يتوقف على قيام دولة وأجهزة إعلامية، بل ويتوقف على أحداث صراع مع طغاة العالم توصل صوت الاسلام من قم إلى الشعوب. ورابعها: أن هذا الدور لقم ينتج عنه معاداة طغاة العالم وأتباعهم لها، أي لطرحها الاسلامي. وهذه المعاداة تكون مبررا لانتقام الله تعالى منهم على يد المهدي ، لان الحجة تكون قد تمت بها، وتكون مشكلة المعادين فقط العناد والمضادة للاسلام، وليست جهلهم به. ومن الملاحظ أن هذه المعاني المذكورة في النصين الشريفين قد تحققت في الكوفة والعراق، وبدأت تحقق في قم وايران، فقد صارت قم وايران حجة على الشعوب الاسلامية وشعوب العالم. وحتى لو قلنا بأن تحقق
[ 219 ]
المستوى الموعود في الروايتين في شعوب العالم يحتاج إلى عشرات السنين، فلاشك أنه قد ظهرت بدايته ودرجات منه. ولكن التعبير " عند قرب ظهور قائمنا " يدل على عدم الطول المديد بين هذا الموقع الموعود لقم في العالم، وبين ظهور المهدي . حديث أهل المشرق والرايات السود وقد ورد في مصادر الشيعة والسنة، ويعرف أيضا بحديث الرايات السود، وحديث أهل المشرق، وحديث ما يلقى أهل بيته صلى الله عليه وآله بعده. وقد روته المصادر المختلفة عن صحابة متعددين، مع فروق في بعض الالفاظ والفقرات. وروت بعض المصادر أجزاء منه. ونص عدد منها على أن رجاله ثقات. من أقدم المصادر السنية التي روته أو روت قسما منه ابن ماجة في سننه ج 2 ص 518 و 269، والحاكم في المستدرك ج 4 ص 464 و 553، وابن حماد في مخطوطته " الفتن " ص 84 و 85 وابن أبي شيبة في مصنفه ج 15 ص 235، والدارمي في سننه ص 93، ثم رواه عنهم أكثر المتأخرين. ولعل الحديث الذي رواه عدد من أصحاب الصحاح " يخرج ناس من المشرق يوطؤون للمهدي سلطانه " مثل أحمد وابن ماجة وغيرهم هو جزء منه وهذا نص الحديث من مستدرك الحاكم: " عن عبد الله بن مسعود قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وآله فخرج إلينا مستبشرا يعرف السرور في وجهه، فما سألناه عن شئ الا أخبرنا به، ولا سكتنا الا ابتدأنا. حتى مرت فتية من بني هاشم فيهم الحسن والحسين فلما رآهم التزمهم وانهملت عيناه. فقلنا يا رسول الله، ما نزال نرى في
[ 220 ]
وجهك شيئا نكرهة ! فقال: " إنا أهل بيت اختار الله لنا الاخرة على الدنيا، وإنه سيلقى أهل بيتي من بعدي تطريدا وتشريدا في البلاد. حتى ترتفع رايات سود في المشرق فيسألون الحق فلا يعطونه، ثم يسألونه فلا يعطونه، فيقاتلون فينصرون. فمن أدركه منكم ومن أعقابكم فليأت إمام أهل بيتي ولو حبوا على الثلج، فإنها رايات هدى يدفعونها إلى رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي، فيملك الارض، فيملؤها قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما ". أما من مصادرنا الشيعية فقد روان ابن طاووس في الملاحم والفتن ص 30 و 117، ورواه المجلسي في البحار ج 51 ص 83 عن أربعين الحافظ أبي نعيم، الحديث السابع والعشرين في مجيئه - أي المهدي - من قبل المشرق. وروى شبيها به في ج 52 ص 243 عن الامام الباقر قال: " كأني بقوم قد خرجوا بالمشرق يطلبون الحق فلا يعطونه، ثم يطلبونه فلا يعطونه. فإذا رأووا ذلك وضعوا سيوفهم على عواتقهم. فيعطون ما سألوا فلا يقبلونه، حتى يقوموا. ولا يدفعونها إلا إلى صاحبكم (أي المهدي ) قتلاهم شهداء. أما إني لو أدركت ذلك لابقيت نفسي لصاحب هذا الامر ". ويستفاد من هذا الحديث بصيغة المختلفة عدة أمور. الاول: أنه متواتر اجمالا، بمعنى أنه روي عن صحابة متعددين بطرق متعددة بحيث يعلم بذلك أن هذا المضمون قد صدر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وعمدة مضمونه: إخباره صلى الله عليه وآله بمظلومية أهل بيته من بعده، وأن إنصاف الامة لهم يكون على يد قوم من المشرق يمهدون لدولة مهديهم . وأنه يظهر على أثر قيام دولة لهؤلاء القوم فيسلمونه رايتهم ويظهر الله به الاسلام على العالم، فيملا الارض قسطا وعدلا.
[ 221 ]
الثاني: أن المقصود بقوم من المشرق وبأصحاب الرايات السود، الايرانيون. وهو أمر متسالم عليه عند جيل الصحابة الذين رووا الحديث الشريف وغيره فيهم، وعند جيل التابعين الذين تلقوه منهم، ومن بعدهم من المؤلفين عبر العصور، بحيث تجده عندهم أمر مفروغا عنه، ولم يذكر أحد منهم حتى بنحو الشذوذ أن المقصود بهؤلاء القوم وبهذه الرايات أهل تركيا الفعلية مثلا، أو الهند، وأو غيرها من المناطق غير ايران. بل نص عدد من أئمة الحديث والمؤلفين على أنهم الايرانيون. بل ورد اسم الخراسانيين في عدة صيغ أو فقرات رويت من الحديث، كما سيأتي في حديث رايات خراسان. الثالث: أن حركتهم تواجه عداء من العالم وحربا ينتصرون فيها، ويكون بعدها ظهور المهدي . الرابع: أن نصرتهم فريضة على كل مسلم من الجيل الذي يعاصرهم، مهما كانت ظروفه صعبة وحتى لو أتاهم حبوا على الثلج. الخامس: أن رايتهم راية هدى، أي أن دولتهم كيان شرعي صحيح، وهدفهم وعملهم منسجم مع أحكام الاسلام وأهدافه، ومبرئ لذمة المسلم الذي يعمل معهم. السادس: أن الحديث من أخبار المغيبات والمستقبل، وواحدة من معجزات النبي صلى الله عليه وآله الدالة على نبوته. حيث تحقق ما أخبر به صلى الله عليه وآله من مظلومية أهل بيته وتشريدهم في البلاد على مدى العصور، وفي أربع جهات العالم الاسلامي، حتى لانجد أسرة في العالم الاسلامي بل وفي العالم، جرى عليهم التشريد والتطريد مثل أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله من أبناء علي وفاطمة . هذا، وقد تضمنت صيغة الحديث المتقدمة عن الامام الباقر عليه
[ 222 ]
السلام وصفا دقيقا لحركتهم، ولذلك ندرس فقراته. والمرجح عندي أنه يتعلق بحديث النبي صلى الله عليه وآله المذكور أو بشبيه له، وان لم يصرح بذلك الامام الباقر عليها لسلام، فقد صرح هو والائمة من أهل البيت بأن حديثهم دائما عن آبائهم عن جدهم رسول الله صلى الله عليه وآله. " كأني بقوم قد خرجوا بالمشرق " يدل على أن هذا الحدث من وعد الله المقدر المحتوم، وهكذا كل ما عبر عنه النبي صلى الله عليه وآله والائمة (ع) ب‍ " كأني بالشئ الفلاني أو الامر الفلاني قد حدث " يدل على حتميته ووضوحه في أذهانهم، ويقينهم به حتى كأنهم يرونه. بل يدل على رؤيتهم له بالبصيرة التي خصهم الله بها والمتناسبة مع مقام النبي صلى الله عليه وآله ومقام أهل بيته (ع). كما يدل على أن حركة الايرانيين هذه تكون عن طريق الثورة، لانه المفهوم من قوله " قد خرجوا " أي ثاروا. " يطلبون الحق فلا يعطونه، ثم يطلبونه فلا يعطونه. فإذا رأوا ذلك وضعوا سيوفهم على عواتقهم، فيعطون ما سألوا فلا يقبلون، حتى يقوموا. ولا يدفعونها إلا إلى صاحبكم ". وهذا التسلسل في حركة الايرانيين، يمكن تفسيره بحركتهم في ثورة " المشروطة " قبل نحو ثمانين سنة، حيث طالبوا بأن يكون لعدد من الفقهاء حق الاشراف على القوانين، وحق النقض لما خالف منها أحكام الاسلام. فأعطوا ذلك شكليا في دستور 1096 م ولم يعطوه واقعيا. ثم طالبوا به في حركة آية الله كاشاني والدكتور مصدق 1951 م فلو يعطوه، وتمكنت أمريكا أن تهزم الثورة وتعيد الشاه الذي كان فرمن ايران كما هو معروف. فلما رأوا ذلك وضعوا سيوفهم على عواتقهم في ثورة الامام الخميني مستعدين للتضحية، وواصلوا تظاهراتهم المليونية ومقاومتهم واصرارهم، فأعطاهم الشاه وأمريكا ما كانوا سألوا، وعرض عليهم أن يقبلوا بتطبيق ما نص عليه دستور 1906 من اشراف ستة من الفقهاء على قوانين البلاد،
[ 223 ]
على أن يبقى الشاه في الحكم، وقبل بذلك بعض العلماء، ولكن الامام الخميني وجماهير الايرانيين لم يقبلوا " قاموا " وواصلوا الثورة حتى انتصروا وأقاموا حكم الاسلام. وبقي أن يسلموا الراية إلى المهدي عندما يظهر. ولكن التفسير الاقوى، أنهم " يطلبون الحق " من أعدائهم أي الدول الكبرى، وهو أن لا يتدخلوا في شؤونهم ويتركوهم يحكمون ايران بالاسلام، ويقبلوا أن تكون ايران مستقلة عن دائرة نفوذهم. فلا يعطونهم ذلك، حتى يضطروهم إلى أن يضعوا سيوفهم على عواتقهم أي إلى الحرب فيحاربون وينتصرون، فيعطيهم أعداؤهم ما سألوا أول الامر وهو أن يحكموا ايران بالاسلام دون تصدير الثورة صراحة، فلا يقبلون ذلك لانه يصيرا أمرا متأخرا بعد فوات الاوان وتغير الظروف. فتبدأ ثورتهم الجديدة " حتى يقوموا " وهي ثورة الرفض لما أعطوهم والاصرار على امتداد حكم الاسلام لاوسع من ايران. ثم يتبع ذلك ظهور المهدي فيسلمونه الراية. والذي يرجح هذا التفسير على الاول أن مطلب الامام الخميني لم يكن مطلب ثورة المشروطة أو ثورة الكاشاني ومصدق. بل كان من الاساس مطلب الحكم الاسلامي بقيادة العلماء. وأن تعبير " وضعوا سيوفهم على عواتقهم " الاقرب أن يكون تعبيرا عن الحرب بالفعل أو عن الاستعداد التام لها، ويستبعد انطباقه على مقاومتهم لنظام الشاه في التظاهرات المليونية ضد الشاه، واستعدادهم فيها للتضحية، لانه لم يكن عندهم سيوف ليضعوها على عواتقهم، بل كانت ثورتهم سلمية بقبضات الايدي الخالية، ولم يبلغ اعتمادها على العلميات العسكرية حتى لو أضفنا إليها مرحلة سقوط الثكنات وأخذ المتظاهرين أسلحتها في الايام الاخيرة، والاشتباكات القليلة مع حرس الشاه. لم يبلغ ذلك نسبة الخمسة في المئة من مجموع فعاليات الثورة التي أدت إلى النصر.
[ 224 ]
مضافا إلى أن سياق الحديث الشريف يظهر منه أن خروجهم ومطالبهم في حركة واحدة وأحداث متتابعة، لا أنها على مراحل في نحو مئة سنة. مضافا إلى أن أكثر نصوص الحديث الكاملة، وأحاديث أخرى، قد نصت على أن رفضهم لمطالبهم الاولى تكون بعد أن يخوضوا حربا وينتصروا فيها، كالحديث المروي في البحار ج 51 ص 83 وفيه " فيسألون الحق فلا يعطونه فيقاتلون وينصرون، فيعطون ما سألوا فلا يقبلون. الخ. ". نعم يبقى على هذا التفسير نقطتان: النقطة الاولى: أنه يفهم من تكرار " يطلبون الحق فلا يعطونه " أن مطالبتهم به تكون على مرحلتين، فما هما هاتان المرحلتان ؟ ويمكن أن يجاب عنه بأن التكرار لبيان أنهم يؤكدون مطلبهم من أعدائهم. ولكن المدقق في أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وكلام الائمة من أهل بيته (ع) يستبعد التكرار العادي التأكيدي فيها خاصة في مثل الحديث محل الكلام. أو يجاب: بأنهم يطالبون بالحق في مرحلتين من ثورتهم قبل الحرب فلا يعطونه، ثم يعطونه بعد انتصارهم في الحرب فلا يقبلونه، وهو أقوى الاجابات. أو يجاب: بأنهم يطلبون الحق في مرحلتين من حربهم فلا يعطونه، فيواصلونها وينتصرون، فيعطون ما طلبوا سابقا فلا يقبلون، وتكون ثورتهم الشاملة " حتى يقوموا " وعلى أثرها يظهر المهدي . والنقطة الثانية: معنى قوله " حتى يقوموا " فقد عبر عن ثورتهم أو الامر بالخروج وعن حركتهم بعد رفض المطالب التي تعطى لهم بالقيام. وهذا يدل على أن هذا القيام







رد مع اقتباس
قديم 02-28-2011, 02:04 PM رقم المشاركة : 4
معلومات العضو

الصورة الرمزية المعارف
إحصائية العضو






المعارف is on a distinguished roadالمعارف is on a distinguished roadالمعارف is on a distinguished road
 

المعارف غير متواجد حالياً

 


عدد الترشيحات : 122
عدد المواضيع المرشحة : 84
عدد مرات الفوز : 0
كاتب الموضوع : المعارف المنتدى : منتدى الكتب الاسلامية
افتراضي

المهدي تابوت السكينة ونسخا من التوراة والانجيل من غار بأنطاكية ومحاجتهم بها. ولذا يستبعد أن تقع بينهم وبين المهدي معركة عند أنطاكية. كما أن نزول قواتهم على الساحل التركي وليس في تركيا قد يشير إلى أن تركيا تكون خارجة عن نفوذهم، وقد يكون تم تحريرها في تلك الفترة بثورة شعبها، أو بجيش المهدي . ولكن قوات الروم التي تنزل الرملة على ساحل فلسطين، والتي تصفها بعض الروايات بمارقة الروم تشارك على ما يبدو في معركة القدس إلى جانب اليهود والسفياني. كما أن بعض الروايات تذكر أن المهدي يرسل جيشه إلى الشام لخوض معركة القدس، مما يطرح احتمال أنه لا يشارك بنفسه في المعركة، بل يدخل القدس بعد هزيمة أعدائه، ولكن أكثر الروايات تذكر أنه يسير بنفسه مع جيشه، ويعسكر في " مرج عذراء " القريب من دمشق. فعن الامام الباقر قال " ثم يأتي الكوفة فيطيل المكث بها ما شاء الله أن يمكث حتى يظهر عليها. ثم يسير حتى يأتي العذراء هو من معه، وقد التحق به ناس كثير، والسفياني يومئذ بوادي الرملة. حتى إذا التقوا وهو يوم الابدال، يخرج أناس كانوا مع السفياني مع شيعة آل محمد صلى الله عليه وآله، ويخرج ناس كانوا مع آل محمد إلى السفياني، فهم من شيعته، حتى يلحقوا بهم. ويخرج كل ناس إلى رايتهم، وهو يوم الابدال. قال أمير المؤمنين : ويقتل يومئذ السفياني ومن معهم (معه) حتى لا يدرك منهم مخبر. والخائب يومئذ من خاب من غنيمة كلب " البحار ج 52 ص 224، وتدل هذه الرواية على عدة أمور: منها: الحالة الشعبية العامة المؤيدة للامام المهدي حيث يدخل جيشه سوريا بدون مقاومة مذكورة ويعسكر على بعد ثلاثين كيلو مترا من دمشق. إلى آخر
[ 301 ]
ما ذكرناه في حركة السفياني. وحاصل الحالة السياسية في المنطقة التي تفهم من الروايات قبيل معركة القدس: أن الروم الغربيين يكونون في حالة تخوف من مواجهة الامام المهدي بسبب انتصاراته المفاجئة، وانتصارات أصحابه في اليمن والحجاز والعراق، وربما انتصاره عليهم في معركة الخليج. وبسبب الموجة الشعبية العارمة له في الشعوب الاسلامية، وخاصة مسلمي المنطقة. ولابد أن الايات الربانية التي تسبق ظهوره وترافقه تكون ذات تأثير على الشعوب الغربية أيضا وتزيد في ارتباك حكوماتها، فلا تقوم بأكثر من إرسال قواتها إلى ساحل أنطاكية وساحل الرملة في فلسطين أو مصر، ويكون دور الغربيين في المعركة بشكل عام مساندة حلفائهم اليهود والسفياني. أما وضع اليهود فيكون أكثر قلقا ورعبا، لان المعركة مصيرية بالنسبة إليهم، ولكنهم يفضلون أن لا يواجهوا جيش المهدي مباشرة، بل بواسطة خط دفاعهم (العربي) بقيادة السفياني. وهذه قاعدة وسنة آلهية في الشعوب والحكومات المترفة الطاغية أنهم يفضلون دائما أن يجدوا شعبا أو قوة عسكرية تقاتل نيابة عنهم، وأن يبقوا هم وراءها في الخط الثاني أو الثالث، كما نشاهد اليوم في حالة الغربيين واليهود عموما. أما الحالة الشعبية في المنطقة فتبلغ من تأييدها للامام المهدي أنها تكاد تطيح بالسفياني وتضم بلاد الشام إلى دولته ، لولا الاسناد الخارجي القوي للسفياني وجيشه من الروم واليهود. ولا يبعد أن يرافق تراجع السفياني من دمشق إلى الرملة بفلسطين التي تكون قوات الروم فيها، تراجع قواته العسكرية أيضا أمام زحف جيش المهدي، وأن تكون بلاد الشام ما عدا الخط المحاذي لاسرائيل في حالة فراغ عسكري،
[ 302 ]
وشبه فراغ سياسي. وقد اورد ابن حماد في مخطوطته نحو عشرين حديثا تحت عنوان " خروج المهدي من مكة إلى بيت المقدس " وورد عدد منها في مصادرنا الشيعية أيضا. منها، عن ابن وزير الغافقي أنه سمع عليا يقول " يخرج في اثني عشر ألفا إن قلوا وخمسة عشر ألفا إن كثروا. يسير الرعب بين يديه. لا يلقاه عدو إلا هزمهم بإذن الله. شعارهم أمت أمت. لا يبالون في الله لومة لائم. فيخرج إليهم سبع رايات من الشام فيهزمهم ويملك، فترجع إلى المسلمين محبتهم ونعمتهم وقاصتهم وبزارتهم، فلا يكون بعدهم الا الدجال. قلنا: وما القاصة والبزارة ؟ قال يقبض الامر حتى يتكلم الرجل بأشياء لا يخشى شيئا " ص 96، وفيها " ويسير المهدي حتى ينزل بيت المقدس، وتنقل إليه الخزائن، وتدخل العرب والعجم وأهل الحرب والروم وغيرهم في طاعته ". وفي ص 97 " فيقول (أي المهدي " أخروجوا إلي ابن عمي حتى أكمله، فيخرج إليه فيكلمه، فيسلم له الامر ويبايعه: فإذا رجع السفياني إلى أصحابه ندمته كلب فيرجع ليستقيله، فيقتتل هو وجيش السفياني على سبع رايات، كل صاحب راية منهم يرجو الامر لنفسه، فيهزمهم المهدي " وفيها " فيستقيله البيعة فيقيله، ثم يعبي جيوشه لقتاله فيهزمه، ويهزم الله على يديه الروم ". والسفياني لعنه الله ابن عم الامام المهدي ، لان أمية وهاشم كما هو معروف أخوان. وإذا صحت هذه الرواية فهي سياسة حكيمة وخلق عظيم من الامام المهدي ، يريد بذلك أن يصرفه عن غيه إذا أمكنه ذلك، أو يقيم عليه مزيدا من الحجة، ولكن السفياني سرعان ما يندم على تأثره الموقت بشخصية الامام المهدي ، ويندمه أقاربه بنو كلب، بل قادة جيشه السبعة الذين يكون
[ 303 ]
السفياني بالحقيقة قيادة اتحادية لهم، ومن وراء ذلك أسيادهم الروم واليهود. وفي رواية الملاحم والفتن عن أمير المؤمنين في وصف هذه المعركة قال " فيغضب الله على السفياني، ويغضب خلق الله لغضب الله تعالى، فترشقهم الطير بأجنحتها، والجبال بصخورها، والملائكة بأصواتها ! ولا تكون ساعة حتى يهلك الله أصحاب السفياني كلهم، ولا يبقى على الارض غيره وحده فيأخذه المهدي فيذبحه تحت الشجرة التي أغصانها مدلاة على بحيرة طبرية " وفي رواية الزام الناصب ج 2 ص 104 " فيلحقه قائد من قواد المهدي اسمه صياح فيأسره، فيأتي به إلى المهدي في صلاة العشاء الاخرة، فيستشير المهدي أصحابه، فيرون قتله، ثم يقودونه إلى ظل شجرة مدلاة الاغصان، ويذبح كما تذبح الشاة " ص 123. وتذكر بعض روايات هذه المعركة نوعا آخر من الامداد الغيبي للمسلمين فيها مضافا إلى ما ذكرته الرواية المتقدمة " أنه يسمع يومئذ صوت من السماء مناديا ينادي: ألا إن أولياء الله فلان، يعني المهدي. فتكون الدبرة على أصحاب السفياني، فيقتلون حتى لا يبقى منهم إلا الشريد " مخطوطة ابن حماد ص 97. والظاهر أن الاحاديث الواردة في مصادر الفريقين عن قتال المسلمين لليهود في آخر الزمان تقصد هذه المعركة، بدليل تشابه مضامينها وتعابيرها، وبدليل الروايات الواردة في تفسير قوله تعالى " بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد " بالامام المهدي وأصحابه، وقد تقدم ذكرها في فصل ايران. وغير ذلك من الادلة. ومن أشهر أحاديثها في مصادر السنة، الحديث الذي رواه مسلم وأحمد والترمذي عن النبي صلى الله عليه وآله قال " لا يقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود
[ 304 ]
فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهود من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر يا مسلم هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود " التاج الجامع للاصول ج 5 ص 356 ومسند أحمد ج 2 ص 417، ويشبهه ما رواه مسلم والترمذي في كتاب الفتن، والبخاري في كتاب المناقب - 25 عن النبي صلى الله عليه وآله قال " يقاتلكم اليهود فتسلطون عليهم ". كما ورد في أحاديث المهدي من طرق الفريقين روايات عديدة عن استخراجه تابوت السكينة، وأسفارا من التوراة، ومحاجة اليهود بها. ويبدو أن ذلك يكون بعد انتصاره عليهم ودخوله القدس. ولم أجد في الروايات تحديدا لعدد القوات التي تشترك في هذه المعركة سواء قوات المسلمين مع المهدي ، أو قوات السفياني واليهود والروم. وقد ورد في بعضها أن عدد قوات السفياني التي تنزل عند بحيرة طبرية يكون مئة وسبعين ألفا. ولكن توجد عدة مؤشرات تدل على أن عدد قوات الجانبين تكون كبيرة جدا، منها ما في الرواية المتقدمة عن الامام الباقر " وقد ألحق به ناس كثير " ومنها سعة جبهة المعركة التي تمتد من طبرية إلى القدس في أكثر الروايات، وبعضها تذكر مرج عكا وصور ودمشق أيضا. أما ما ورد في بعض الروايات من أن جيش المهدي يكون بضعة عشر ألفا فهو جيشه الذي يتوجه به من مكة، وربما اشتبه بعض الرواة بينه وبين جيشه الذي يتوجه به من العراق إلى القدس، ويكون قائده شعيب بن صالح قائد قوات الايرانيين، فهذا الجيش قد يزيد عدده على المليون جندي، لانه يكون فيه قوات الايرانيين واليمانيين والعراقيين وغيرهم من بلاد المسلمين، ثم ينضم إليه أعداد من بلاد الشام، وربما من غيرها.
[ 305 ]
ومع أن ابن حماد أورد روايات البضعة عشر ألفا في عدد جيش المهدي في زحفه نحو القدس في ص 95 وما بعدها، إلا أنه أورد رواية في ص 106 تذكر أن حرسه عندما يدخل القدس يكون اثني عشر ألفا " ينزل رجل من بني هاشم بيت المقدس يكون حرسه اثنا عشر ألفا " ورواية ثانية ص 107 تقول " حرسه ستة وثلاثون ألفا، على كل طريق لبيت المقدس اثنا عشر ألفا " وهذا يدل على ضخامة جيشه . كما أورد في ص 110 رواية عن بناء المهدي القدس تقول " ينزل خليفة من بني هاشم يملا الارض قسطا وعدلا، يبني بيت المقدس بناء لم يبن مثله ". ومن الطبيعي أن يكون لانتصار الامام المهدي المفاجئ والكاسح ودخوله القدس الشريفة وقع الصاعقة على الغربيين، وأن يجن جنونهم لهزيمة حلفائهم اليهود وانهيار كيانهم. وبمقتضى الحسابات السياسية، وما نعرفه من عنفوانهم الحالي، يقتضي أن يشنوا حملة عسكرية بحرية وجوية على الامام المهدي وجيشه، بل وأن يستعملوا الاسلحة الكيمياوية الفتاكة والاسلحة الذرية المحدودة. ولكن يفهم من الاحاديث الشريفة أن عدة عوامل مهدئة تكون موجودة، ولعل من أهمها نزول المسيح في القدس. ثم حالة الرعب التي تتعمق في الغربيين من مواجهة الامام المهدي . ويضاف إلى ذلك وسائل الامداد الغيبي التي يملكها الامام المهدي ويستعمل بعضها في حركة ظهوره، والتي تستحق استعراضها في فضل خاص، وان كان تأثيرها يكاد ينحصر بالشعوب الغربية، ويكون على حكوماتها ضعيفا أو معدوما. وقد يضاف إلى ذلك امتلاك المهدي أسلحة متطورة تكافي أسلحة الغربيين، أو تتفوق عليها.
[ 306 ]
نزول المسيح من السماء أجمع المسلمون على أن روح الله عيسى المسيح عليه نبينا وآله و ينزل من السماء إلى الارض في آخر الزمان. وبذلك فسر أكثر المفسرين قوله تعالى " وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته، ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا " النساء - 159، وقد نقل ذلك صاحب مجمع البيان عن ابن عباس وأبي مالك وقتادة وابن زيد والبلخي، وقال: واختاره الطبري. وروى تفسيرها بذلك في البحار ج 14 ص 530 عن الامام الباقر قال " ينزل قبل يوم القيامة إلى الدنيا، فلا يبقى أهله ملة يهودي ولا نصراني إلا آمن به قبل موته، ويصلي خلف المهدي ". وأحاديث نزوله في مصادر الفريقين كثيرة منها الحديث المشهور عن النبي صلى الله عليه وآله قال " كيف بكم (أنتم) إذا نزل عيسى بن مريم فيكم، وامامكم منكم " راجع البحار ج 52 ص 383 ورواه البخاري وروى غيره في باب " نزول عيسى " ج 2 ص 256. وقد أورد ابن حماد في مخطوطته من ص 159 إلى ص 162 نحو ثلاثين حديثا تحت عنوان " نزول عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم وسيرته " وعنوان " قدر بقاء عيسى بن مريم بعد نزوله " منها الحديث المروي في الصحاح وفي البحار عن النبي صلى الله عليه وآله قال " والدي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا واماما مقسطا، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزيرة، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد " ص 162، وفيها " إن الانبياء إخوة لعلات، دينهم واحد وأمهاتهم شتى. أولادهم بي عيسى بن مريم، ليس بيني وبينه
[ 307 ]
رسول، وإنه لنازل فيكم فاعرفوه، رجل مربوع الخلق، إلى البياض والحمرة. يقتل الخنزير ويكسر الصليب ويضع الجزية. ولا يقبل غير الاسلام، وتكون الدعوة واحدة لله رب العالمين ". وقد ورد في عدد من روايات ابن حماد نزوله في القدس. وفي بعضها عند القنطرة البيضاء على باب دمشق، وفي بعضها عند المنارة التي عند باب دمشق الشرقي. وفي بعضها باب لد بفلسطين. وقد يكون نزوله أولا في القدس كما هو المشهور، ثم يأتي إلى الشام وغيرها. وقد ورد في بعضها أنه يصلي خلف المهدي عليهما السلام، وأنه يحج إلى بيت الله الحرام كل عام. وأن المسلمين يقاتلون معه اليهود، والروم، والدجال. وأنه يبقى في الارض أربعين سنة ثم يتوفاه الله تعالى ويدفنه السملمون. وورد في رواية عن أهل البيت أن الامام المهدي يقيم مراسم دفنه على أعين الناس، حتى لا يقول فيه النصارى ما قالوه. وأنه يكفنه بثوب من نسج أمه الصديقة مريم عليها السلام، ويدفنه في القدس إلى جانب قبرها. والمرجح عندي في أمر نزوله بقرينة قوله تعالى " وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به " الذي يدل على أن الشعوب المسيحية واليهود جميعا يؤمنون به. أن الحكمة من رفعة إلى السماء وتمديد عمره، أن الله تعالى قد ادخره لكي يؤدي دوره العظيم في هداية أتباعه وعباده، في مرحلة حساسة من التاريخ يظهر فيها المهدي ويكون النصارى أكبر قوة في العالم، وأكبر عائق أمام وصول نور الاسلام إلى شعوبهم وشعوب العالم، واقامة دولته وحضارته الالهية. ولذا، فإن من الطبيعي أن تعم العالم المسيحي تظاهرات شبعبية،
[ 308 ]
وفرحة عارمة، ويعتبرون أن نزوله لهم في مقابل ظهور المهدي في المسلمين. ومن الطبيعي أن يزور المسيح بلادهم المختلفة، ويظهر الله تعالى على يديه الايات والمعجزات، وأن يعمل لهدايتهم إلى الاسلام بالتدريج والنفس الطويل. وأن تكون أول الثمرات السياسية لنزوله تخفيف حالة العداء في الحكومات الغربية للاسلام والمسلمين وعقد اتفاقية الهدنة بينهم وبين الامام المهدي التي تذكرها الروايات. وقد تكون صلاته خلف المهدي عليهما السلام على أثر نقض الغربيين معاهدة الهدنة والصلح مع المهدي وغزوهم المنطقة بجيش جرار كما تدكر الروايات، فيتخذ المسيح موقفه الصريح إلى جانب المسلمين، ويأتم بإمامهم. أما كسر الصليب وقتل الخنزير فلا يبعد أن يكون بعد غزو الغربيين للمنطقة وهزيمتهم في معركتهم الكبرى مع المهدي . كما ينبغي أن ندخل في الحساب التيار الشعبي الغربي المؤيد للمسيح عليه السلم والذي يكون له تأثير ما على الحكومات قبل معركتهم الكبرى مع المهدي، وتأثير حاسم بعدها. وأما حركة الدجال، فالمرجح عندي من أحاديثها أنها تكون بعد مدة غير قصيرة من قيام الدولة العالمية على يد المهدي وعموم الرفاهية لشعوب الارض وتطور العلوم تطورا هائلا. وأنها حركة يهودية إباحية أشبه بحركة الهيپز الغربية الناتجة عن الترف والبطر. غاية الامر أن حركة الاعور الدجال تكون متطورة جدا وذات أبعاد عقيدية وسياسية واسعة، حيث يستعمل الدجال وسائل العلوم في ادعاءاته شعو ذاته،
[ 309 ]
ويتبعه اليهود الذين هم في الحقيقة وراء حركته، ويستغلون المراهقين والمراهقات والنساء، وتكون فتنته شديدة على المسلمين. وينبغي التثبت والتحقيق في الروايات التي تذكر أن المسيح هو الذي يقتل الدجال، لان ذلك من عقائد المسيحيين المذكورة في أناجيلهم، ولان المجمع عليه عند المسلمين أن حاكم الدولة العالمية يكون الامام المهدي ويكون المسيح معينا له ومؤيدا. وقد وردت الروايات عن أهل البيت بأن الذي يقتل الدجال هم المسلمون بقيادة الامام المهدي . اتفاقية الهدنة بين الامام المهدي والغربيين وأحاديث هذه الهدنة كثيرة، تدل على أنها اتفاقية صلح وعدم اعتداء، وتعايش سلمي. ويبدو أن غرض الامام المهدي منها أن يفتح المجال لعمل المسيح وعمله أن يأخذ مجراه الطبيعي في هداية الشعوب الغربية، لكي يحصل فيها التحول العقائدي والسياسي، وتكتشف زيف حكوماتها وحضارتها. ونلاحظ في روايات هذه الهدنة الشبه الكبير بينها وبين صلح الحديبية الذي عقده النبي صلى الله عليه وآله مع قريش على عدم الحرب لمدة عشر سنين وسماه الله تعالى الفتح المبين، حيث ما لبث جبابرة قريش أن نقضوا عهدهم مع المسلمين وكشفوا عن نواياهم، فكان ذلك دافعا للناس أن يدخلوا في الاسلام، ومبررا للقضاء على قوة المشركين وكفرهم. وكذلك لا يلبث الغربيون أن ينقضوا عهدهم مع المسلمين ويكشفوا عن طغيانهم ويغزوا المنطقة بنحو مليون جندي كما تذكر الروايات، فتكون المعركة الكبرى معهم، التي يظهر من وصف الروايات
[ 310 ]
لها أنها تكون أعظم من معركة فتح القدس. فعن النبي صلى الله عليه وآله قال " بينكم وبين الروم أربع هدن، الرابعة على يد رجل من آل هرقل، تدوم سنين " سنتين " فقال له رجل من عبد القيس يقال له السؤدد بن غيلان: من إمام الناس يومئذ ؟ فقال: المهدي من ولدي " البحار ج 51 ص 80 وهو الحديث الثاني عشر من أربعين الحافظ أبي نعيم في الامام المهدي. وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال " قال رسول الله صلى الله عليه وآله يكون بينكم وبين بني الاصفر هدنة، فيغدرون بكم في حمل امرأة، يأتون في ثمانين غاية في البر والبحر، كل غاية اثنا عشر ألفا، فينزلون بين يافا وعكا، فيحرق صاحب مملكتهم سفنهم، يقول لاصحابه قاتلوا عن بلادكم فيلتحم القتال. ويمد الاجناد بعضهم بعضا، حتى يمدكم من بحضر موت اليمن. فيومئذ يطعن فيهم الرحمان برمحه، ويضرب فيهم بسيفه، ويرمي فيهم بنبله، ويكون منه فيهم الذبح الاعظم " مخطوطة ابن حماد ص 141، وفي ص 142 " ترسي الروم فيما بين صور إلى عكا، فهي الملاحم " وفي ص 115 " (إن) لله ذبحين في النصارى، مضى أحدهما، وبقي الاخر ". ومعنى " يطعن فيهم الرحمان برمحه. الخ " أنه تبارك وتعالى يمد المسلمين بملائكته وإمداده الغيبي عليهم. وفي ص 124 " ثم يسلط الله على الروم ريحا وطيرا تضرب وجوههم بأجنحتها فتفقأ أعينهم، وتتصدع بهم الارض فيتلجلجوا في مهوا (كذا) بعد صواعق ورواجف تصيبهم. ويؤيد الله الصابرين ويوجب لهم الاجر كما أوجب لاصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وتملا قلوبهم وصدورهم شجاعة وجرأة ". ويبدو أن هدفهم من إنزال قواتهم البحرية بين يافا وعكا، أو بين صور وعكا، كما في هاتين الروايتين هو استرجاع فلسطين مجددا واعطاؤها لليهود، وأن تكون القدس هدفا عسكريا مبررا لحملتهم. وقد ورد في الرواية التالية أن انزال قواتهم يشمل طول الساحل من
[ 311 ]
عريش مصر إلى أنطاكية في تركية، فعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال " فتح لرسول الله صلى الله عليه وآله فتح لم يفتح له مثله منذ بعثه الله تعالى فقلت له: يهنيك الفتح يا رسول الله قد وضعت الحرب أوزارها. فقال: هيهات هيهات، والذي نفسي بيده إن دونها يا حذيفة لخصالا ستا.. وذكر آخرها صلى الله عليه وآله فتنة الروم وغدرهم بالمسلمين بثمانين راية، وأنهم ينزلون ما بين أنطاكية إلى العريش " ابن حماد ص 118. وقد ورد في أحاديث نزول عيسى أن الحرب تضع أوزارها عند ذلك. ويؤيد ذلك واقع صراعنا وحروبنا مع الروم التي لم تضع أوزارها، ولن تضع أوزارها حتى يظهر المهدي وينزل عيسى عليهما السلام، وينصرنا الله تعالى على الروم في مرحلة طغيانهم العالمي. وفي ص 136 " في فلسطين وقعتان في الروم، تسمى إحداهما القطاف، والاخرى الحصاد " أي تكون الثانية كاسحة أكثر من الاولى. وتشير الرواية التالية إلى أن معركة المهدي مع الغربيين تكون غير متكافئة، وأن ميزان القوة يكون لصالحهم في الظاهر، ولذلك ينضم إليهم بعض ضعاف القلوب من العرب، ويقف آخرون على الحياد، فقد روى ابن حماد في ص 12 عن محمد بن كعب في تفسير قوله تعالى " ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد " قال: الروم يوم الملحمة. وقال قد استنفر الله الاعراب في بدء الاسلام فقالت " شغلتنا أموالنا وأهلونا " فقال: ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد. يوم الملحمة فيقولون كما قالوا في بدء الاسلام، فتحل بهم الاية يعذبكم عذابا أليما. وقال صفوان: حدثنا شيخنا أن من الاعراب من يرتد يومئذ كافرا، ومنهم من يولي على (عن) نصرة الاسلام وعسكره شاكا ". فالمرتدون هم الذين يقفون إلى جانب الروم، والمتولون هم الواقفون على الحياد، وعذابهم الاليم على يد المهدي بعد انتصاره على الروم.
[ 312 ]
وروى ابن حماد في ص 131 حديثا يوازن أجر شهداء هذه المعركة بأجر شهداء بدر مع رسول الله صلى الله عليه وآله قال " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خير قتلى تحت ظل السماء مذ خلق الله تعالى خلقه، أولهم هابيل الذي قتله قابيل اللعين ظلما. ثم قتلى الانبياء الذين قتلهم أممهم المبعوثة إليهم حين قالوا: ربنا الله ودعوا إليه. ثم مؤمن آل فرعون. ثم صاحب ياسين. ثم حمزة بن عبد المطلب. ثم قتلى بدر. ثم قتلى أحد. ثم قتلى الحديبية. ثم قتلى الاحزاب. ثم قتلى حنين. ثم قتلى تكون بعدي تقتلهم خوارج مارقة فاجرة. ثم ارجع يدك إلى ما شاء الله من المجاهدين في سبيله. حتى تكون ملحمة الروم، قتلاهم كقتلى بدر ". ولعل قتلى الحديبية المذكورة في الرواية تصحيف أو اضافة، لان مصادر السيرة لم تذكر وقوع حرب وقتلى في الحديبية. وورد في مصادرنا الشيعية عن أهل البيت أن أفضل الشهداء عنه الله تعالى هم أصحاب سيد الشهداء الامام الحسين والشهداء مع الامام المهدي . أما وقت الحملة الغربية الاخيرة على بلادنا فتذكر الروايات أن مدة الهدنة معهم تكون سبع سنين، ولكنهم يغدرون وينقضونها بعد سنتين، وبعضها يذكر أنهم يغدرون بعد ثلاث سنين. ففي مخطوطة ابن حماد ص 142 عن أرطاه قال " يكون بين المهدي وطاغية الروم صلح بعد قتله السفياني ونهب كلب، حتى يختلف تجاركم إليهم وتجارهم إليكم، ويأخذون في صنعة سفنهم ثلاث سنين.. حتى ترسي الروم فيما بين صور إلى عكا، فهي الملاحم ". وقد تقدمت الرواية التي تذكر أنهم يغدرون في حمل امرأة، أي بعد تسعة أشهر من توقيع الهدنة، والله العالم.
[ 313 ]
الشعوب الغربية تدخل في الاسلام يكون لهزيمة الغربيين الساحقة على يد الامام المهدي في فلسطين وبلاد الشام آثار كبيرة على شعوب الغرب ومستقبله. ولابد أن الكلمة النافذة في الغرب تصبح للمسيح والمهدي عليهما السلام، وللتيار الشعبي المؤيد لهما في الشعوب الغربية. وأن هذا التيار يتولى حركة اسقاط الحكومات الكافرة واقامة حكومات تعلن انضمامها إلى دولة المهدي . وتذكر الروايات في مصادر السنة والشيعة أن الامام المهدي يتوجه إلى الغرب ويفتح هو وأصحابه المدينة الرومية الكبرى، أو المدن الرومية. وبعضها يذكر أنه يفتحها مع أصحابه بالتكبير. ففي بشارة الاسلام ص 258 نقلا عن الغيبة للطوسي قال " يفتح قسطنطينية ورومية وبلاد الصين " وفي الزام الناصب ج 2 ص 225 " ويتوجه إلى بلاد الروم فيفتح رومية مع أصحابه " وفي الملاحم والفتن ص 64 " رومية التي يفتحها المهدي هي أم بلاد الروم " وفي بشارة الاسلام ص 251 نقلا عن البحار، عن الامام الصادق قال " ثم تسلم الروم على يده فيبني لهم مسجدا ويستخلف عليهم رجلا من أصحابه وينصرف ". وفي مخطوطة ابن حماد ص 136 عن عكرمة وسعيد بن جبير في تفسير قوله تعالى " لهم في الدنيا خزي " قال مدينة تفتح بالروم ". وفي بشارة الاسلام ص 297 نقلا عن الفتوحات المكية لابن عربي قال " يفتح المدينة الرومية بالتكبير في سبعين ألفا من المسلمين ".
[ 315 ]
ملامح الدولة العالمية على يد الامام المهدى تدل الايات الشريفة المفسرة بظهور الامام المهدي ، والاحاديث الشريفة المبشرة به، على أن مهمته ربانية ضخمة، متعددة الجوانب، جليلة الاهداف. فهي عملية تغيير شاملة للحياة الانسانية على وجه الارض، واقامة فصل جديد منها بكل معنى الكلمة. ولو لم يكن من مهمته الا بعث الاسلام من جديد، واقامة حضارته الربانية العادلة، وتعميم نوره على العالم، لكفى. ولكنها مع ذلك مهمة تطوير الحياة البشرية تطويرا ماديا كبيرا بحيث لا تقاس نعمة الحياة في عصره والعصور التي بعده ، بالحياة في المراحل السابقة، مهما كانت متقدمة ومتطورة. وهي أيضا مهمة تحقيق مستوى هام من الانفتاح على الكون وعوالم السماء وسكانها، يكون مقدمة للانفتاح الاكبر والوحدة التامة التي تحدث بين عوالم الشهادة والغيب، بحدوث القيامة، وقيام الحياة الاخرة. وهذه لمحات عن بعض جوانب مهمته ، بقدر ما يتسع لها هذا الكتاب.
[ 316 ]
تطهير الارض من الظلم والظالمين يبدو بالنظرة الاولى أن تطهير الارض من الظلم، والقضاء كليا على الطواغيت والظالمين، أمر غير ممكن، فقد تعودت الارض على أنين المظلومين وآهاتهم، حتى لا يبدو لاستغاثتهم مجيب، وتعودت على وجود الظالمين المشؤوم، حتى لا يخلو منهم عصر من العصور. فهم كالشجرة الخبيثة المستحكمة الجذور، ما أن يقلع منهم واحد حتى ينبت عشرة، وما أن يقضى عليهم في جيل حتى يفرخوا أفواجا في أجيال. ولكن الله الذي قضت حكمته أن يقيم حياة الناس على قانون صراع الحق والباطل والخير والشر، قد جعل لكل شئ حدا، ولكل أجل كتابا، وللظلم على الارض نهاية. جاء في تفسير قوله تعالى " يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والاقدام " الرحمان - 541 عن الامام الصادق قال " الله يعرفهم، ولكن نزلت في القائم يعرفهم بسيماهم فيخبطهم بالسيف هو وأصحابه خبطا " غيبة النعماني - ص 127. وعن أمير المؤمنين قال " فليفرجن الله بغتة برجل منا أهل البيت، بأبي ابن خيرة الاماء. لا يعطيهم إلا السيف، هرجا هرجا (أي قتلا قتلا) موضوعا على عاتقه ثمانية أشهر " شرح نهج البلاغة - ج 2 ص 178. وعن الامام الباقر قال " إن رسول الله صلى الله عليه وآله في أمته باللين والمن وكان يتألف الناس. والقائم يسير بالقتل ولا يستتيب أحدا. بذلك أمر في الكتاب الذى معه. ويل لمن ناواه " غيبة النعماني - ص 121، والكتاب الذي
[ 317 ]
معه هو العهد المعهود له من جده رسول الله عليه وآله، وفيه كما ورد " أقتل ثم اقتل ولا تستتيبن أحدا " أي لا تطلب التوبة من مجرم. وعنه قال " وأما شبهه في جده المصطفى صلى الله عليه وآله فخروجه بالسيف وقتله أعداء الله تعالى وأعداء رسوله، والجبارين والطواغيت، وأنه ينصر بالسيف والرعب، وأنه لاترد له راية " البحار ج 51 ص 218. وعن الامام الجواد قال " ثم لا يزال يقتل أعداء الله حتى يرضى الله. ويعلم رضا الله تعالى عنه في ذلك حين يحس الرحمة بقلبه " البحار - ج 51 ص 157، وفي رواية عبد الظيم الحسني رضي الله عنه في نفس المصدر عن الامام الجواد " فإذا كمل له العقد وهو عشرة آلاف خرج باذن الله، فلا يزال يقتل أعداء الله حتى يرضى الله تعالى. قلت، وكيف يعلم أن الله قد رضي ؟ قال: يلقي الله في قلبه الرحمة " بل جاء في الاحاديث أن بعض أصحابه يرتاب ويعترض عليه لكثرة ما يرى من سفكه لدماء الظالمين، فعن الامام الباقر " حتى إذا بلغ الثعلبية (اسم مكان في العراق) قام إليه رجل من صلب أبيه (أي من نسبه) هو أشد الناس ببدنه وأشجعهم بقلبه ما خلا صاحب هذا الامر، فيقول: يا هذا ما تصنع ؟ ! فو الله انك لتجفل الناس إجفال النعم ! (أي كما يجفل الراعي أو الذئب قطيع الماشية) أفبعهد من رسول الله، أم بماذا ؟ فيقول المولى الذي ولي البيعة (أي المسؤول عن أخذ البيعة للامام من الناس): أسكت، لتسكتن أو لاضربن الذي فيه عيناك. فيقول القائم: اسكت يا فلان، إي والله إن معي لعهدا من رسول الله صلى الله عليه وآله، هات يا فلان العيبة (أي الصندوق) فيأتيه بها، فيقرأ العهد من رسول الله صلى الله عليه وآله فيقول الرجل: جعلني الله فداك: أعطني رأسك أقبله، فيعطيه رأسه، فيقبل بين عينيه، ثم يقول: جعلني الله فداك، جدد لنا بيعة، فيجدد لهم بيعة " البحار ج 53 - ص 343، ولا بد أن هناك علامات أو آية يعرف بها أصحابه أن تلك
[ 318 ]
الصحيفة هي عهد معهود من رسول الله صلى الله عليه وآله. وأما طلبهم أن يجددوا مبايعته فلان اعتراضهم عليه يعتبر نوعا من الاخلال بيعتهم. وقد يرى البعض في سياسة القتل والابادة للظالمين التي يعتمدها الامام المهدي ، أنها قسوة واسراف في القتل. ولكنها في الواقع عملية جراحية ضرورية لتطهير مجتمع المسلمين ومجتمعات العالم من الطغاة والظالمين، وبدونها لا يمكن إنهاء الظلم واقامة العدل، ولا القضاء على اسباب المؤامرات الجديدة التي سيقوم بها بقاياهم فيما لو استعمل الامام معهم سياسة اللين والعفو. فالظالمون في مجتمعات العالم كالغصون اليابسة من الشجرة، بل كالغدة السرطانية، لابد من استئصالها من أجل نجاة المريض مهما كلف الامر. والامر الذي يوجب الاطمئنان عند المترددين في هذه السياسة أنها بعهد معهود من النبي صلى الله عليه وآله وأن الله تعالى يعطي الامام المهدي العلم بالناس وشخصياتهم، فهو ينظر إلى الشخص بنور الله تعالى فيعرف ما هو وما دواؤه، ولا يخشى أن يقتل أحدا من الذين يؤمل اهتداؤهم وصلاحهم، كما أخبر الله تعالى عن قتل الخضر للغلام في قصته مع موسى حتى لا يرهق أبويه طغيانا وكفرا. بل تدل الاحاديث على أن الخضر يظهر مع المهدي ويكون من أعوانه، ويبدو أنه يستعمل علمه اللدني " آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما " الكهف - 65، في تنمية بذور الخير، ودفع الشر عن المؤمنين، والقضاء على الفساد والشر وهو بذرة صغيرة قبل أن يصبح شجرة خبيثة. ومن المرجح أن يكون عمل الخضر وأعوانه في دولة المهدي علنيا، وأن يكون لهم حق الولاية على الناس وحق النقض على القوانين والاوضاع
[ 319 ]
الظاهرية. وقد ورد في الاحاديث الشرية أن الامام المهدي يقضي بين الناس بحكم الله الواقعي الذي يريه إياه الله تعالى، فلا يطلب من أحد شاهدا أو بينة، وكذلك يستعمل علمه الواقعي في تقتيل الظالمين والفجار، وقد يسير أصحابه في القضاء بين الناس وقتل الفجار بهذه السيرة، أما في بقية الامور فقد يتعاملون مع الناس على الظاهر، ويكون للخضر وأصحابه صلاحياتهم الخاصة. بعث الاسلام مجددا وتعميمه على العالم جاء في تفسير قوله تعالى " هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون " التوبة - 33، عن أمير المؤمنين قال " أظهر ذلك بعد ؟ كلا والذي نفسي بيده، حتى لا تبقى قرية إلا ونودي فيها بشهادة ألا إله الا الله وأن محمدا رسول الله بكرة وعشيا " المحجة للبحراني - ص 86. وعن ابن عباس قال " حتى لا يبقى يهودي ولا نصراني ولاصاحب ملة إلا صار إلى الاسلام. وحتى ترفع الجزية ويكسر الصليب ويقتل الخنزير، وهو قوله تعالى " ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون " وذلك يكون عند قيام القائم " المحجة - ص 87، ومعنى ترفع الجزية أي لا يقبل من أهل الكتاب الا الاسلام. وعن أبي بصير رحمه الله قال سألت أبا عبد الله (الامام الصادق) عن قول الله عزوجل في كتابه " هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون " فقال: والله ما نزل تأويلها بعد. قلت جعلت فداك ومتى ينزل تأويلها ؟ قال: حتى يقوم القائم إن شاء الله تعالى، فإذا خرج القائم لم يبق كافر ولا مشرك إلا كره خروجه، حتى لو أن كافرا أو مشركا في
[ 320 ]
بطن صخرة لقالت الصخرة يا مؤمن في بطني كافر أو مشرك فاقتله، فيجيئه فيقتله " المحجة ص 86. وعن الامام الباقر قال " القائم منصور بالرعب مؤيد بالنصر، تطوى له الارض، وتظهر له الكنوز، ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب، ويظهر الله عزوجل به دينه ولو كره المشركون، فلا يبقى في الارض خراب إلا عمر، وينزل روح الله عيسى بن مريم فيصلي خلفه " البحار ج 52 ص 191. وفي تفسير العياشي عن الامام الباقر قال في تفسيرها " يكون أن لا يبقى أحد إلا أقر بمحمد صلى الله عليه وآله " ج 2 ص 87. وفيه عن الامام الصادق قال " سئل أبي عن قوله تعالى " وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة، " حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله " فقال: " لم يجئ تأويل هذه الاية، ولو قام قائمنا بعد سيرى من يدركه ما يكون من تأويل هذه الاية، ويبلغن دين محمد صلى الله عليه وآله ما بلغ الليل حتى لا يكون شرك على وجه الارض كما قال الله تعالى " ج 2 ص 56. وجاء في تفسير قوله تعالى " إن هؤلاء إلا ذكر للعالمين، ولتعلمن نبأه بعد حين " ص - 88، عن الامام الباقر قال " عند خروج القائم " روضة الكافي ص 287. وفي تفسير قوله تعالى " سنريهم آياتنا في الافاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق " السجدة - 53 عن الامام الباقر قال " يريهم في أنفسهم المسخ، ويريهم في الافاق انتفاض الافاق عليهم، فيرون قدرة الله في أنفسهم وفي الافاق. وقوله " حتى يتبين لهم أنه الحق " يعني بذلك خروج القائم هو الحق من الله عزوجل، يراه هذا الخلق، لابد منه " غيبة النعماني - ص 143، وقد وردت أحاديث بأن بعض الكافرين والمنافقين من أعداء المهدي
[ 321 ]
يمسخون فجأة قردة وخنازير، وأن معنى انتقاض الافاق عليهم اضطراب بلدانهم وخروج شعوبهم من تحت سلطتهم، وانتقاض آفاق السماء بآيات تظهر لهم. وجاء في تفسير قوله تعالى " وله أسلم من في السماوات والارض طوعا أو كرها " آل عمران - 83 عن الامام الكاظم (ع) قال " نزلت في القائم. إذا خرج (أمر) باليهود والنصارى والصابئين والزنادقة وأهل الردة والكفار في شرق الارض وغربها فعرض ، فمن أسلم طوعا أمره بالصلاة والزكاة وما يؤمر به المسلم ويجب الله عليه، ومن لم يسلم ضرب عنقه، حتى لا يبقى في المشارق والمغارب أحد إلا وحد الله تعالى. قلت جعلت فداك، إن الخلق أكثر من ذلك. فقال: إن الله إذا أراد أمرا قلل الكثير وكثر القليل " تفسير العياشي ج 1 ص 183، وما يعطاه المهدي من الايات ووسائل الاتصال والسيطرة على العالم هو من تكثير القليل. وعن النبي صلى الله عليه وآله قال " لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لبعث الله رجلا إسمه إسمي وخلقه خلقي يكني أبا عبد الله، يبايع له الناس بين الركن والمقام، يرد الله به الدين، ويفتح له فتوح فلا يبقى على ظهر الارض إلا من يقول لا آله الا الله، فقام سلمان الفارسي وقال: يا رسول الله من أي ولدك ؟ قال: هو من ولد ابني هذا، وضرب بيده على الحسين " البيان للشافعي - ص 129. ولكن المعتمد من الروايات عند الفريقين أن كنيته أبو القاسم، كنية النبي صلى الله عليه وآله. وعنه صلى الله عليه وآله قال " المهدي من عترتي من ولد فاطمة، يقاتل على سنتي كما قاتلت أنا على الوحي " البيان ص 63، وفي رواية أخرى " يقوم بالدين في آخر الزمان كما قمت في أول الزمان " البحار - ج 51 ص 78. وعنه صلى الله عليه وآله قال " ولا يكون ملك إلا للاسلام، وتكون الارض كفاتور الفضة " الملاحم والفتن - ص 66، أي تكون الارض صافية نقية من الكفر
[ 322 ]
والنفاق، كسبيكة الفضة النقية من المواد المغشوشة. وعن أمير المؤمنين قال " ويعطف الرأي على القرآن إذا عطفوا القرآن على الرأي. ويريهم كيف يكون عدل السيرة، ويحيي ميت الكتاب والسنة " شرح نهج البلاغة - ج 4 ص 36، والمعنى أن المهدي يتبع القرآن ولا يحرف تفسيره كما فعل المنحرفون قبله. وعن الامام الباقر قال " كأني بدينكم هذا لا يزال موليا يفحص بدمه، ثم لا يرده عليكم الا رجل منا أهل البيت، فيعطيكم في السنة عطاءين، ويرزقكم في الشهر رزقين. وتؤتون الحكمة في زمانه حتى أن المرأة لتقضي في بيتها بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وآله " البحار - ج 52 ص 352، وقوله " موليا يفحص بدمه " تصوير دقيق مؤثر لحالة الاسلام كطير مجروح يرف بجناحيه ويتخبط بدمه من ضربات الظالمين له، وتحريفهم إياه، وإبعاد المسلمين عنه، حتى ينقذه المهدي ويحييه ويرده إلى المسلمين. والمقصود بالعطاءين في السنة والرزقين في الشهر: العطاء المالي من بيت المال كل ستة أشهر، وتوزيع الارزاق والمواد الغذائية على الناس كل أسبوعين. وعن الامام الصادق " يعز الله به الاسلام بعد ذله، ويحييه بعد موته، ويضع الجزية، ويدعو إلى الله بالسيف، فمن أبى قتل، ومن نازعه خذل. " بشارة الاسلام ص 297، وعن الامام الصادق قال " سيميت الله به كل بدعة، ويمحو كل ضلالة، ويحيي كل سنة " الكافي ج 1 ص 412. وعن الامام الباقر قال " ولا يبقى في الارض خراب الا قد عمر. لا يبقى في الارض معبود من دون الله تعالى من صنم ووثن وغيره إلا وقعت فيه نار فاحترق " كمال الدين - ص 331.
[ 323 ]
ومن الطبيعي أن يتعجب المرء ويت‍ سأل: كيف سيتمكن الامام المهدي من تعميم الاسلام على الشعوب غير المسلمة مع ما هي فيه من حياة مادية، وبعد عن الايمان والقيم الروحية، ونظرة سيئة إلى الاسلام والمسلمين. ؟ !. ولكن ينبغي الالتفات إلى عوامل كثيرة عقائدية وسياسية واقتصادية، تقدم بعضها في حركة ظهوره . فمن ذلك أن شعوب العالم تكون قد جربت - وقد جربت - الحياة المادية البعيدة عن الدين ولمست لمس اليد فراغها وعدم تلبيتها لفطرة الانسان وانسانيته. ومنها، أن الاسلام دين الفطرة، ولو سمح الحكام الطواغيت لنوره أن يصل إلى شعوبهم على يد علماء ومؤمنين صادقين، لانجذبوا إلى نوره ودخلوا فيه أفواجا. ومنها، الايات والمعجزات التي تظهر لشعوب العالم على يد المهدي ، ومن أبرزها النداء السماوي كما تقدم. وهذه الايات وان كان تأثيرها على الحكام موقتا أو ضعيفا أو معدوما، ولكنها تؤثر على شعوبهم بنسب مختلفة. ولعل من أهم عوامل التأثير عليهم انتصارات الامام المهدي المتوالية، لان من طبع الشعوب الغربية أنها تحب القوي المنتصر وتقدسه، حتى لو كان عدوها. ومنها، نزول المسيح ، وما يظهره الله تعالى على يده من آيات ومعجزات للشعوب الغربية وشعوب العالم، بل يبدو أن دوره الاساسي وعمله الاساسي يكون بينهم. ومن الطبيعي أن تفرح به الشعوب الغربية وحكامها ويؤمن به الجميع أول الامر، حتى إذا بدأ يظهر ميله إلى الامام المهدي والاسلام تبدأ الحكومات الغربية بالتشكيك والتشويش عليه، وتنحسر موجة تأييده العارمة، ولكنه مع ذلك
[ 324 ]
سيبقى له أنصار ومؤيدون من الشعوب الغربية، ويحدث فيهم التحول العقائدي والسياسي، حتى يكونوا تيارا في بلادهم، كما ذكرنا. ومنها العوامل الاقتصادية، حيث تتحول الرفاهية والغنى على يد الامام المهدي إلى العالم الاسلامي، وينعم المسلمون في زمنه نعمة لا سابقة لها في تاريخ الارض وشعوبها كما تذكر الاحاديث الشريفة، ويقابل ذلك أزمات اقتصادية وسياسية في البلاد غير الاسلامية، ومن الطبيعي أن يكون لذلك تأثير هام على تلك الشعوب. تطوير الحياة المادية وتحقيق الرفاهية من الامور البارزة في أحاديث المهدي الرخاء الاقتصادي والتقدم التكنولوجي في الدولة العالمية التي يقيمها. خاصة وقبل هذا بعين الاعتبار صدور هذه الاحاديث الشريفة في عصر النبوة وقبل هذا التطور الذي حدث أخيرا في علوم الطبيعة وأدخل الحياة البشرية المادية في مرحلة جديدة تختلف عما سبقها في كثير من مظاهر المعيشة اليومية، والاجتماعية، والاوضاع الدولية. ومع ذلك فإن نوع الحياة المادية التي تتحدث عنها النصوص الشريفة في عصره ، أعظم من كل ما عرفناه في عصرنا، ومما قد يوصلنا إليه تطور العلوم بالجهود البشرية الاعتيادية. وفيما يلي بعض ما ورد في ذلك: يستخرج كنوز الارض ويقسمها على الناس والاحاديث في ذلك كثيرة، منها ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله قال " تخرج له
[ 325 ]
الارض أفلاذ أكبادها، ويحثو المال حثوا ولا يعده عدا " البحار ج 51 ص 68، وأفلاذ أكبادها أي كنوزها، وفي رواية " حتي يخرج منها مثل الاسطوانة ذهبا ". وحديث يحثو المال حثوا أو حثيا ولا يعده عدا، مشهور في مصادر الفريقين، وهو يدل على الرخاء الاقتصادي الذي لا سابقة له، وعلى نفسية الامام المهدى السخية والمحبة للناس. وعن الامام الباقر قال " إذا قائم أهل البيت قسم بالسوية، وعدل في الرعية، فمن أطاعه فقد أطاع الله، ومن عصاده فقد عصى الله. ويستخرج التوراة وسائر كتب الله عزوجل من غار بأنطاكية، ويحكم بين أهل التوارة بالتوراة، وبين أهل الانجيل بالانجيل، وبين أهل الزبور بالزبور، وبين أهل القرآن بالقرآن. وتجمع إليه أموال الدنيا من بطن الارض وظهرها فيقول للناس: تعالوا إلى ما قطعتم فيه الارحام، وسفكتم فيه الدماء الحرام، وركبتم فيه ما حرم الله عزوجل. فيعطي شيئا لم يعطه أحد قبله، ويملا الارض عدلا وقسطا ونورا كما ملئت ظلما وجورا وشرا " البحار ج 52 ص 351. تنعم الامة في زمانه وتعمر الارض عن النبي () قال " تنعم أمتي في زمن المهدي نعمة لم ينعموا مثلها قط. ترسل السماء عليهم مدرارا، ولا تدع الارض شيئا من النبات الا أخرجته " مخطوطة ابن حماد ص 98. وعنه صلى الله عليه وآله قال " تأويل إليه أمته كما تأوي النحلة (إلى) يعسوبها، يملا الارض عدلا كما ملئت جورا، حتى يكون الناس على مثل أمرهم الاول. لا يوقظ نائما ولا يهريق دما " ابن حماد ص 99، ويبدو أن معنى " على مثل أمرهم الاول " أي في المجتمع الانساني الاول عندما كانوا أمة واحدة على صفاء فطرتهم
[ 326 ]
الانسانية، قبل أن يقع بينهم الاختلاف كما قال تعالى " كان الناس أمة واحدة " 213 - البقرة، وهذا يؤيد ما تشير إليه بعض الاحاديث من أن المجتمع يصل في عصر المهدي إلى مجتمع الغنى وعدم الحاجة، ثم إلى مجتمع المحبة وعدم الاختلاف وعدم الحاجة إلى المحاكم، ثم إلى مجتمع اللانقد، بحيث يعمل أفراده لخدمة بعضهم قربة إلى الله تعالى ويأخذون ما يحتاجونه من بعضهم بالصلاة على النبي، صلى الله عليه وآله. وعنه صلى الله عليه وآله قال " يرضى عنه ساكن السماء وساكن الارض. لا تدع السماء من قطرها شيئا إلا صبته، ولا الارض من نباتها شيئا إلا أخرجته، حتى يتمنى الاحياء الاموات " ابن حماد ص 99، أي يتمنى الاحياء أن الاموات كانوا أحياء لينعموا معهم ويروا ما رأوا. وعن الامام الباقر قال " ويظهر الله عزو جل به دينه ولو كره المشركون، فلا يبقى، في الارض خراب الا عمر " البحار ج 52 ص 191. وعن الامام الصادق قال " المهدي محبوب في الخلائق، يطفئ الله به الفتنة الصماء " بشارة الاسلام ص 185، وعنه في تفسير قوله تعالى " مدهامتان " قال " يتصل ما بين مكة والمدينة نخلا " - البحار ج 56 ص 49، وعن سعيد بن جبير قال " إن السنة التي يقوم فيها القائم تمطر الارض أربعا وعشرين مطرة، ويرى آثارها وبركاتها " كشف الغمة ج 3 ص 250. وفي مخطوطة ابن حماد ص 98 " علامة المهدي أن يكون شديدا على العمال، جوادا بالمال، رحيما بالمساكين " وفيها " المهدي كانما يلعق المساكين الزبد ". يطور العلوم الطبيعية ووسائل المعيشة تذكر أحاديث المهدي عددا كثيرا من الامور غير المألوفة
[ 327 ]
للاجيال السابقة ولجيلنا المعاصر، في وسائل الاتصال التي تكون في عصره، ووسائل الرؤية، والمعرفة، ووسائل الحرب، وأساليب الاقتصاد، والحكم والقضاء، وغيرها. ويظهر أن بعضها يكون كرامات ومعجزات يجريها الله على يده وأيدي أصحابه . ولكن كثيرا منها تطوير للعلوم الطبيعية واستثمار لقوانين الله تعالى ونعمه، التي أودعها فيما حولنا من مواد الارض والسماء. وتدل أحاديث متعددة وتشير، إلى أن تطويره لعلوم الطبيعة سيكون قفزة في تقدم الحياة الانسانية على الارض في جميع مرافقها. من ذلك الحديث المروي عن الامام الصادق قال " ألعلم سبعة وعشرون حرفا. فجميع ما جاءت به الرسل حرفان، فلم يعرف الناس حتى اليوم غير الحرفين فإذا قام قائمنا أخرج الخمسة وعشرين حرفا فبثها في الناس، وضم إليها الحرفين حتى يبثها سبعة وعشرين حرفا " البحار ج 52 ص 336. وهو وان كان ناظرا إلى علوم الانبياء والرسل ولكنها تشمل مضافا إلى العلم بالله سبحانه ورسالته والاخرة، العلوم الطبيعية التي ورد أن الانبياء علموا الناس بعض أصولها، ووجهوهم إليها، وفتحوا لهم جزءا من أبوابها، كما ورد عن تعليم إدريس الخياطة للناس، ونوح صناعة السفن والنجارة، وتعليم داود وسليمان صناعة الدروع وغيرها. فلا يبعد أن يكون المقصود بالعلم في الحديث أعم من علوم الدين والطبيعة، ويكون المعنى: أن نسبة ما يكون في أيدي الناس من العلوم إلى ما يعلمهم إياه الامام المهدي ، نسبة اثنين إلى خمس وعشرين. وعن الامام الباقر قال " أما إن ذا القرنين قد خير السحابين فاختار الذلول، وذخر لصاحبكم الصعب. قال قلت: وما الصعب ؟ قال: ما كان فيه
[ 328 ]
رعد وصاعقة أو (و) برق فصاحبكم يركبه. أما إنه سيركب السحاب، ويرقى في الاسباب، أسباب السماوات السبع، والارضين السبع. خمس عوامر، واثنتان خرابان " البحار ج 52 ص 321. وعن الامام الصادق قال " إن المؤمن في زمان القائم وهو بالمشرق ليرى أخاه الذي في المغرب. وكذا الذي في المغرب يرى أخاه الذي في المشرق " البحار ج 52 ص 391. وعنه قال " إن قائمنا إذا قام مد الله لشيعتنا في أسماعهم وأبصارهم حتى (لا) يكون بينهم وبينه بريد، يكلمهم فيسمعونه وينظرون إليه وهو في مكانه " البحار 52 ص 236. وعنه قال " إذا تناهت الامور إلى صاحب هذا الامر رفع الله تبارك وتعالى له كل منخفض من الارض، وخفض له كل مرتفع، حتى تكون الدنيا عنده بمنزلة راحته. فأيكم لو كانت في راحته شعرة لم يبصرها " وروي أنه ينصب له عمود من نور من الارض إلى السماء فيرى فيه أعمال العباد، وأن له علوما مذخورة تحت بلاطة في أهرام مصر لا يصل إليها أحد قبله - كمال الدين ص 565، إلى غير ذلك من الروايات التي لا يتسع المجال لاستقصائها وتفسيرها. وبعضها يتحدث عن تطور العلوم بشكل عام، وبعضها عن تطور القدرات الذهنية والوسائل الخاصة بالمؤمنين، وبعضها عن وسائل وكرامات خاصة بالامام المهدي وأصحابه. من ذلك ما عن الامام الباقر قال " كأني بأصحاب القائم وقد أحاطوا بما بين الخافقين، ليس شئ إلا وهو مطيع لهم، حتى سباع الارض وسباع الطير تطلب رضاهم (في) (و) كل شئ. حتى تفخر الارض على الارض وتقول: مربي اليوم رجل من أصحاب القائم " البحار ج 52 ص 327، وفي رواية عن الامام الباقر قال " إذا قام القائم بعث في أقاليم
[ 329 ]
الارض، في كل إقليم رجلا، يقول: عهدك في كفك، فإذا ورد عليك أمر لا تفهمه ولاتعرف القضاء فيه، فانظر إلى كفك واعمل بما فيها " غيبة النعماني ص 319، وقد نسبها في كتاب يوم الخلاص إلى عدة مصادر ولم أجدها فيها. وقد يكون ذلك على نحو الاعجاز والكرامة لهم، وقد يكون على أساس قواعد علمية أو وسائل متطورة. ملكه أعظم من ملك سليمان وذي القرنين يفهم من أحاديث الامام المهدي أن الدولة الاسلامية العالمية التي يقيمها أعظم من الدولة التي أقامها سليمان وذو القرنين ، وبعض الاحاديث تنص على ذلك، كالحديث المروي عن الامام الباقر " إن ملكنا أعظم من ملك سليمان بن داود، وسلطاننا أعظم من سلطانه " والحديث الاتي بأنه تسخر له أسباب لم تسخر لذي القرنين. والاحاديث التي تدل على أن عنده مواريث الانبياء التي منها مواريث سليمان، وأن الدنيا عنده بمنزلة، راحة كفه.. فدولة سليمان شملت فلسطين وبلاد الشام، ولكنها لم تشمل مصر وما وراءها من أفريقيا. كما أنها لم تتجاوز اليمن إلى الهند والصين وغيرها، كما تذكر الاحاديث. بل يذكر بعضها أنها لم تتجاوز مدينة اصطخر في جنوب ايران. بينما دولة المهدي تشمل كل مناطق العالم، حتى لا يبقى قرية الانودي فيها بالشهادتين، ولا يبقى في الارض خراب الاعمر. كما تذكر الاحاديث الشريفة. ومن ناحية الامكانات التي تسخر للمهدي ، فهي تشمل
[ 330 ]
الامكانات التي سخرها الله تعالى لسليمان وتزيد عليها. سواء ما كان منها على نحو الاعجاز والكرامة الربانية، أو ما كان تطويرا للعلوم واستثمارا لامكانات الطبيعة. ومن ناحية مدتها، فقد كانت مدة دولة سليمان نحو نصف قرن، ثم وقع الانحراف بعد وفاته سنة 931 قبل الميلاد، وتمزقت الدولة، ووقعت الحرب بين مملكتي القدس ونابلس. كما تذكر الاحاديث والمؤرخون. والروايات عن مدة دولة الامام المهدي في حياته وبعده، وإن كانت متعارضة، إلا أن المرجح عندنا أنها تستمر إلى آخر الدنيا، وأنه يحكم من بعده المهديون من أولاده، ثم تكون رجعة بعض الانبياء والائمة ، فيحكمون إلى آخر الدنيا. الانفتاح على عوالم السماء ويدل على ذلك عدة أحاديث وإشارات، من أوضحها الحديث الوارد عن الامام الباقر قال " أما إن ذا القرنين قد خير السحابين فاختار الذلول وذخر لصاحبكم الصعب. قال سورة: قلت وما الصعب ؟ قال: ما كان فيه رعد وصاعقة أو برق فصاحبكم يركبه. أما إنه سيركب السحاب، ويرقى في الاسباب، أسباب السماوات السبع والارضين السبع، خمس عوامر واثنتان خرابان ". وفي رواية عن الامام الصادق قال " ان الله خير ذا القرنين السحابين الذلول والصعب، فاختار الذلول وهو ما ليس فيه برق ولا رعد، ولو اختار الصعب لم يكن ذلك له، لان الله ادخره للقائم " البحار ج 52 ص 321.
[ 331 ]
فهو ينص على أنه يستعمل الوسائل المتنوعة والاسباب الخاصة في الصعود والتنقل بين كواكب السماوات وعوالمها. سحاب فيه رعد وصاعقة أو برق. يرقى في الاسباب، أسباب السماوات والارض. ويدل على أن صعوده يشمل عوالم السماوات السبع والارضين الست غير أرضنا. ولا يعني ذلك أنه يستعمل هذه المصاعد والمركبات بنفسه فقط، بل قد يصل الامر في عصره إلى أن يكون السفر إلى كواكب السماوات وإلى الارضين الاخرى، كالسفر في عصرنا من قارة إلى قارة. ويشير قوله بأن خمسا من الارضين أو منها ومن السماوات معمورة، إلى أنه سيتم الاتصال بمجتمعاتها. وقد ذكرت أحاديث شريفة متعددة أنه توجد في السماوات كواكب كثيرة عامرة بمجتمعات من مخلوقات الله تعالى، من غير نوع الانسان والملائكة والجن. وقد أورد العلامة المجلسي مجموعة منها في بحار الانوار. وقد أشارت إلى ذلك عدة آيات قرآنية كقوله تعالى " يا معشر الجن والانس إن استطعتم أن تنفذوا من أفطار السماوات والارض فانفذوا. لا تنفذون إلا بسلطان " 23 - 24 - الرحمان. وهذا يعني أن الحياة على الارض سوف تدخل في عصره مرحلة جديدة، تختلف عن كل ما سبقها من مراحل. ولا يتسع المجال لبسط الكلام في ذلك. الانفتاح على عالم الاخرة والجنة من أعمق أنواع الحركة التي يعيش فيها عالمنا بزمانه ومكانه وأشيائه،
[ 332 ]
حركة عالم الشهادة نحو عالم الغيب أو العكس، التي يكشف عنها القرآن والاسلام ويؤكد على الاهتمام بها والانسجام معها، ويسميها حركة رجوع الانسان إلى الله تعالى، ولقاءه به. أو ذهابه إلى الملا الاعلى والاخرة. ويسميها على مستوى العالم مجئ الساعة، والقيامة، حيث تتحقق الوحدة بين عالمنا وعوالم الغيب الواسعة المحجوبة عنا. فذروة هذه الحركة بالنسبة إلى الانسان الموت، الذي هو بمفهوم الاسلام دخول في حياة أوسع وليس فناء وعدما، كما قد نتصور. وذروتها بالنسبة إلى الكون القيامة واتحاد عالمي الشهادة والغيب. وقد ورد في القرآن والسنة أن مجئ القيامة والساعة له مقدمات وأشراط متسلسلة تحدث في الارض والسماء، ومجتمع الانسان. ويفهم من بعضها أن دولة المهدي من أشراط الساعة، إلا ان المتفق عليه أن أشراط الساعة تبدأ بعدها. فكيف تبدأ ؟ الذي يترجح في نظري أن الانفتاح على عوالم السماء الذي تتحدث الروايات أنه يتم في عصر الامام المهدي ، يكون مقدمة لانفتاح أكبر على الاخرة والجنة. وأن الروايات التي تتحدث عن " الرجعة " وأن عددا من الانبياء والائمة يأتون إلى الارض ويحكمون بعد المهدي، تقصد هذه المرحلة. وكذا الايات المتعددة التي ورد تفسيرها ب‍ " الرجعة ". والاعتقاد بالرجعة وإن لم يكن من ضروريات الاسلام، ولا من ضروريات مذهب التشيع، بمعنى أن عدم الاعتقاد بها لا يخرج الانسان عن مذهب أهل البيت ، ولاعن الاسلام. ولكن أحاديثها تبلغ من الكثرة الوثاقة ما يوجب الاعتقاد بها. ويذكر بعضها أن الرجعة تبدأ بعد حكم المهدي وحكم
[ 333 ]
أحد عشر مهديا بعده، ففي غيبة الطوس ص 299 عن الامام الصادق قال: " إن منا بعد القائم أحد عشر مهديا من ولد الحسين ". ونكتفي هنا بذكر نموذج من أحاديث الرجعة. فعن الامام زين العابدين في تفسير قوله تعالى " إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد " قال: يرجع اليكم نبيكم صلى الله عليه وآله " البحار ص 53 ص 56. وعن أبي بصير قال: قال لي أبو جعفر - أي الامام الباقر - ينكر أهل العراق الرجعة ؟ قلت نعم. قال: أما يقرؤون القرآن " ويوم نحشر من كل أمة فوجا ". المصدر ص 40. وفي رواية أخرى أن الامام الصادق سئل عن الاية فقال " ما يقول الناس فيها ؟ قلت يقولون إنها في القيامة. فقال: يحشر الله في القيامة من كل أمة فوجا ويترك الباقين ! إنما ذلك في الرجعة، فأما آية القيامة فهذه " وحشرناهم فلم نغادر منهم " أحدا " إلى قوله " موعدا " المصدر ص 50. وعن زرارة، قال سألت أبا عبد الله - أي الامام الصادق - عن هذه الامور العظام من الرجعة وأشباهها فقال " إن هذا الذي تسألون عنه لم يجئ أوانه " بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله " المصدر ص 40. وذكرت بعض الروايات أن رجعة النبي صلى الله عليه وآله تكون بعد رجعة الائمة ، وأن اول من يرجع منهم الامام الحسين ، فعن الامام الصادق قال " أول من يرجع إلى الدنيا الحسين بن علي فيملك حتى يسقط حاجباه على عينيه من الكبر " المصدر ص 46. وفي رواية عنه قال " وان الرجعة ليست بعامة، وهي خاصة، لا يرجع إلا من محض الايمان محضا، أو محض الشرك محضا " المصدر ص 39
[ 335 ]
عقيدة الشيعه في الامام المهدى الاعتقاد بإمامة الائمة الاثني عشر من أهل البيت ، من أصول مذهبنا. بل هو محوره الذي سمي لاجله " المذهب الامامي " و " مذهب التشيع " و " مذهب أهل البيت " . وسمينا لاجله " الامامية " و " الشيعة " شيعة أهل البيت. وأول الائمة الاوصياء المعصومين عندنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، وخاتمهم الامام المهدي المنتظر محمد بن الحسن العسكري ، الذي ولد في سنة 255 هجرية في سامراء، ثم مد الله في عمره وغيبه إلى أن ينجز به وعده، ويظهره ويظهر به دينه على الدين كله، ويملا به الارض قسطا وعدلا. فالاعتقاد بأن المهدي الموعود هو الامام الثاني عشر، وأنه حي غائب جزء من مذهبنا. وبدونه لا يكون المسلم شيعيا اثني عشريا، بل مسلما سنيا، أو زيديا، أو إسما عيليا. ويستغرب بعض إخواننا اعتقادنا بإمامة الائمة ،
[ 336 ]
وبعصمتهم، وبغيية المهدي المنتظر أرواحنا فداه. ولكن الميزان في الامور الممكنة ليس هو الاستبعاد ولا الاستحسان، بل ثبوت النص عن النبي صلى الله عليه وآله، وقد ثبتت عندنا النصوص المتواترة القطعية، الدالة على إمامته وغيبته . ومتى ثبت النص وقام الدليل، فعلى المسلم أن يقبله ويتعبد به، وعلى الاخرين أن يعذروه أو يقنعوه. ورحم الله القائل: نحن أتباع الدليل * حيثما مال نميل وإخواننا السنة وان لم يوافقونا على انطباق المهدي الموعود على الامام محمد بن الحسن العسكري ، إلا أنهم يوافقوننا على كل ما ورد بشأنه من الاحاديث الشريفة، من البشارة به، وحركة ظهوره، وتجديد الاسلام على يده، وشموله العالم. حتى أنك تجد أحاديثه واحدة أو متقاربة في مصادر الفريقين، كما سترى في الفصل التالي إن شاء الله. على أن عددا من علماء السنة يوافقنا أي على أنه هو الامام محمد بن الحسن العسكري ، مثل ابن عربي والشعراني وغيرهم، ممن صرحوا بإسمه ونسبه، وثبت عندهم أنه حي غائب. وقد ذكر أسماء مجموعة منهم صاحب كتاب " المهدي الموعود " وهذا الاشتراك في عقيدة المهدي بين جميع المسلمين، يجب أن يستثمره العلماء والعاملون لنهضة الامة، لانه عقيدة ذات تأثير حيوي في جماهير المسلمين، من شأنها أن ترفع مستوى إيمانهم بالغيب، وبوعد الله تعالى لهم بالنصر، وترفع معنوياتهم في مقاومة أعدائهم، والتمهيد لامامهم الموعود . ولا يصح أن يكون عدم ثبوت انطباقه على الامام محمد بن الحسن
[ 337 ]
عند إخواننا السنة، موجبا لانتقاد من يعتقد بذلك، ويتقرب به إلى الله تعالى. وليس غرضنا هنا أن نطرح بحثا كلاميا في عقيدتنا في الامام المهدي . بل أن نعطي فكرة عن هذه الروحية الفياضة التي تيعش بها أوساطنا الشيعية عقيدة المهدي، والتي كونت في ضمير المسلم الشيعي، عبر الاجيال وتربية الاباء والامهات، مخزونا عظيما من الحب والتقديس والتطلع إلى ظهوره . فالامام المهدي أرواحنا فداه هو بقية الله في أرضه من أهل بيت النبوة، وخاتم الاوصياء والائمة، وأمين الله على قرآنه ووحيه، ومشكاة نوره في أرضه. ففي شخصيته تتجسد كل قيم الاسلام ومثله، وشبه النبوة وامتداد نورها. وفي غيبته تكمن معان كبيرة، من الحكم والاسرار الالهية، ومظلومية الانبياء والاولياء والمؤمنين، على يد حكام الظلم وسلاطين الجور. وفي الوعد النبوي بظهوره، تخضر آمال المؤمنين، وتنتعش قلوبهم المهمومة، وتقبض أكفهم على الراية، وإن عتت العواصف، وطال الطريق. فهم وصاحبها على ميعاد. ولئن كان الشيعة معروفين بغنى حياتهم الروحية مع النبي وآله صلى الله عليه وآله، فإن شخصية الامام المهدي أرواحنا فداه ومهمته الموعودة، بجاذبيتها الخاصة، رافد حيوي في إغناء روح الشيعي بالامل والحب والحنين. ينتقد البعض شدة احترام الشيعة لعلمائهم، بينما يعجب به آخرون
[ 338 ]
ويقدرونه. ويزداد الاعجاب أو الانتقاد إذا رأوا احترام الشيعة لمرجع التقليد نائب الامام المهدي أرواحنا فداه، وتقديسهم له وتقيدهم بفتواه. أما إذا وصل الامر إلى الائمة المعصومين فيتهمنا البعض بالمبالغة والمغالاة، ويفرط بعضهم في التهمة فيقول إن الشيعة يؤلهون النبي والائمة والمراجع ويعبدونهم، والعياذ بالله. ولكن المشكلة ليست في شدة احترام الشيعة وإطاعتهم وتقديسهم لعلمائهم وأئمتهم. بل هي، في الواقع، ابتعادنا نحن المسلمين جميعا عن النظرة الاسلامية إلى الانسان والتعامل بها معه. فنحن نلاحظ في القرآن الكريم ثلاثة مذاهب في مسألة قيمة الانسان: المذاهب البدوي، الذي تذكره آيات الاعراب والمنادين من وراء الحجرات. والمذهب المادي، الذي تذكره آيات أعداء الانبياء وأصحاب الحضارات الكافرة. والمذهب الاسلامي، تذكره آيات تكريم الانسان والتوجيه إلى عالمه العقلي والروحي والعملي. وأحسبنا في عالمنا الاسلامي نعيش تأثيرات كثيرة للبداوة وللمادية الغربية في نظرتنا إلى الانبياء والائمة والاولياء والشهداء والمؤمنين. والى جمهورنا وشعوبنا الاسلامية. بل إلى أنفسنا أيضا. لقد أوجد الانحطاط الحضاري والتسلط الغربي في مجتمعاتنا ظروفا قاسية سياسية واقتصادية واجتماعية، لم تعد معها حياة الانسان المسلم في أصلها محترمة، فكيف نطمح إلى احترام أبعاد وجوده الاخرى وتقديسها ؟ ! كما حول أذهاننا إلى أذهان بدوية تنزع دائما إلى " البساطة " بمفهومها المنطقي وتعادي الجمع والتركيب. فترانا نريد الشئ ببعد واحد، ونرفض أن تكون له أبعاد متعددة في آن. ونريد في قلوبنا لونا واحدا من العاطفة، ولا نسمح لها أن تحمل ألوانا متعددة في آن. ونرى في الاولياء والائمة
[ 339 ]
والانبياء صلوات الله عليهم، ظاهر أمرهم وحالهم، ولا نرى قممهم الشامخة، وعوالمهم العقلية والروحية العالية. وإذا رأى أحد شيئا من ذلك نقول عنه مغال، وإذا جاش بذلك عقله أو قلبه، نقول مجنون أو منحرف. ويبلغ الامر أقصى خطورته عند ما نلبسه ثوبا دينيا فنقاوم تقديس الاولياء والائمة والانبياء بحجة أنه يتنافى مع تقديس الله تعالى وتوحيده. فكأن معنى أنهم بشر عليهم الصلاة والسلام أن يكونوا حفنة من رمل الصحراء. وكأن الامر يدور بين رمل الصحراء والسماء، ولا ثالث. فلا رياض ولا أنهار، ولا روابي ولا قمم. وكأن مثل النور الالهي الذي حدثنا عنه الله تعالى في سورة النور " مثل نوره كمشكاة فيها مصباح " موجودة في غير أرضنا، ومتجسد في غير هؤلاء العظماء، صلوات الله عليهم. أعتقد أن هذه الصحوة الاسلامية المباركة، وحركة الامة نحو إسلامها ومقاومة أعدائها، هي الطريق لان نجد ذاتنا الاسلامية وإنساننا المسلم، ونجد من جديد نبينا صلى الله عليه وآله، وأئمتنا وعلماءنا، ونتعامل معهم بما يليق بغنى شخصياتهم الربانية، ومقاماتهم العالية، وتمتلئ قلوبنا مجددا بمخزون الحب والعشق المقدس لهم، الذي يهيؤنا ويفتح لنا باب الحب والعشق الاكبر لمولاهم ومولانا تبارك وتعالى. إن على من تحجبه الشجرة عن الغابة أن يعذر من يرى الشجرة والغابة معا، والجبال والسماء. وعلى من يرى أن تقديس العلماء والاولياء والائمة والانبياء، والعيش في عوالمهم، مانعا عن تقديس الله تعالى وتوحيده. أن يعذر من يرى ذلك درجات من التعظيم شرعها الاسلام، لتنتظم بها الحياة، وتفتح الطريق إلى تعظيم وتقديس وتسبيح الذي ليس كمثله شئ، تبارك وتعالى.
[ 340 ]
فإذا كن إناء عقلي محدودا، وإناء قلبي صغيرا، يمتلئ ويغص بحب عظماء المخلوقين فلا يبقى فيه لحب الخالق مجال. فعلي أن أعذر أصحاب العقول الوافرة، والقلوب الكبيرة، التي تتسع للجمع والتركيب، وفهم قمم الارض وآفاق السماء، ومعايشتها جميعا. مقام الامام المهدي عند الله تعالى ومن المناسب قبل أن نقدم مقطوعات من الاحاديث والادعية والزيارات، لتكون نماذج عن عقيدتنا بالامام المهدي أرواحنا فداه، ومشاعرنا نحوه. أن نذكر شيئا من الاحاديث التي وردت في مقامه، فقد ورد في مصادر الفريقين أن مقامه أرواحنا فداه مقام عظيم عند الله تعالى، وأنه سيد في الدنيا والاخرة، وأنه من سادة أهل الجنة، وطاووس أهل الجنة، وأن عليه من نور الله تعالى جلابيب تتوقد، وأنه ملهم مهدي من الله تعالى وان لم يكن نبيا، وأن الله تعالى يجرى على يديه كثيرا من الكرامات والايات والمعجزات. بل إن الحديث المعروف الذي روته المصادر المعتبرة عند الشيعة والسنة يدل على أنه أرواحنا فداه في مصاف الانبياء والرسل صلوات الله عليهم. فعن النبي صلى الله عليه وآله قال " نحن ولد عبد المطلب سادة أهل الجنة، أنا وحمزة وعلي والحسن والحسين والمهدي " غيبة الطوسي 13 وصواعق ابن حجر 158. وقد وردت في مصادرنا أحاديث مفصلة في فضائل الائمة الاثني عشر ، ومقامهم العظيم عند الله تعالى، ومنها أحاديث خاصة بالامام المهدي المنتظر أرواحنا فداه، وأنه نور الله في أرضه، وحجته على خلقه، والقائم بالحق، وخليفة الله في الارض، وشريك القرآن في وجوب الطاعة،
[ 341 ]
ومعدن علم الله تعالى ومستودع سره. إلى آخر ما فصله العلماء في كتب العقائد والتفسير والحديث. وقال أكثرهم بتفضيله على بقية الائمة بعد أمير المؤمنين والحسن والحسين ، ووردت به الرواية. وقد ورد عند السنة تفضيله على أبي بكر وعمر، فعن ابن سيرين، قيل له " المهدي خير أو أبو بكر وعمر " ؟ قال " أخير منهما ويعدل بنبي " ابن حماد ص 98. من كلمات الائمة في الامام المهدي من الملفت في هذا المجال، أن نجد أن الائمة كانوا في طليعة المعبرين عن مشاعرهم وحبهم للامام المهدي قبل ولادته، إيمانا بوعد النبي صلى الله عليه وآله به، وتطلعا إلى ولدهم الموعود، وما سيحققه الله تعالى على يده. ونكتفي من ذلك بذكر كلمات عن الامام علي والامام الصادق، عليهما السلام. قال أمير المؤمنين : ألا إن مثل آل محمد، صلى الله عليه وآله، كمثل نجوم السماء: إذا خوى نجم طلع نجم. فكأنكم قد تكاملت من الله فيكم الصنائع، وأراكم ما كنتم تأملون " نهج البلاغة - خطبة رقم 100. " فانظروا أهل بيت نبيكم، فإن لبدوا فالبدوا، وإن استنصروكم فانصروهم. فليفرجن الله بغتة برجل منا أهل البيت. بأبي ابن خيرة الاماء. لا يعطيهم إلا السيف، هرجا هرجا موضوعا على عاقته ثمانية أشهر، حتى تقول قريش لو كان هذا من ولد فاطمة لرحمنا. ". " يعطف الهوى على الهدى، إذا عطفوا الهدي على الهوى. ويعطف الرأي على القرآن إذا عطفوا القرآن على الرأي. وتخرج له الارض أفاليذ أكبادها، وتلقي
[ 342 ]
إليه سلما مقاليدها. فيريكم كيف عدل السيرة. ويحيي ميت الكتاب والسنة " خطبة 138. " قد لبس للحكمة جنتها، وأخذ بجميع أدبها، من الاقبال عليها والتفرغ لها، فهي عند نفسه ضالته التى يطلبها، وحاجته التي يسأل عنها. فهو مغترب إذا اغترب الاسلام، وضرب بعسيب ذنبه، وألصق الارض بجرانه. بقية من بقايا حجته، خليفة من خلائف أنبيائه ". خطبة 182. عن سدير الصير في قال: دخلت أنا والمفضل بن عمر وأبو بصير وأبان بن تغلب، على مولانا أبي عبد الله جعفر بن محمد فرأيناه جالسا على التراب وعليه مسح خيبري مطوق، بلا جيب مقصر الكمين، وهو يبكي بكاء الواله الثكلي، ذات الكبد الحري، قد نال الحزن من وجنتيه، وشاع التغير في عارضيه، وأبلى الدموع محجريه، وهو يقول: سيدي، غيبتك نفت رقادي، وضيقت علي مهادي، وأسرت مني راحة فؤادي. سيدي غيبتك أوصلت مصابي بفجائع الابد، وفقد الواحد بعد الواحد يفني الجمع والعدد، فما احس بدمعة ترقأ من عيني، وأنين يفتر من صدري.. قال سدير: فاستطارت عقولنا ولها وتصدعت قلوبنا جزعا من ذلك الخطب الهائل والحادث الغائل، وظننا أنه سمة لمكروهة قارعة، أو حلت به من الدهر بائقة، فقلنا لا أبكى الله يابن خير الورى عينيك، من أي حادثه تستنزف دمعتك، وتستمطر عبرتك، وأيه حالة حتمت عليك هذا المأتم. قال: فزفز الصادق زفرة انتفخ منها جوفه، واشتد منها خوفه، وقال: " ويكم إني نظرت في كتاب الجفر صبيحة هذا اليوم، وهو الكتاب المشتمل على علم المنايا والبلايا والرزايا وعلم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، الذي خص الله تقدس اسمه به محمدا والائمة من بعده عليه و، وتأملت فيه مولد قائمنا وغيبته،
[ 343 ]
وإبطاءه وطول عمره، وبلوى المؤمنين في ذلك الزمان، وتولد الشكوك في قلوبهم من طول غيبته، وارتداد أكثرهم عن دينهم، وخلعهم ربقة الاسلام من أعناقهم، التي قال الله تقدس ذكره: " وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه " يعني الولاية، فأخذتني الرقة، واستولت علي الاحزان. فقلنا: يا بن رسول الله كرمنا وشرفنا باشراكك إيانا في بعض ما أنت تعلمه من علم قال: إن الله تبارك وتعالى أدار في القائم منا ثلاثة أدارها في ثلاثة من الرسل، قدر مولده تقدير مولد موسى ، وقدر غيبته تقدير غيبة عيسى ، وقدر إبطاءه تقدير إبطاء نوح ، وجعل من بعد ذلك عمر العبد الصالح أعني الخضر دليلا على عمره. فقلت: إكشف لنا يا بن رسول الله عن وجوه هذه المعاني. قال: أما مولد موسى فإن فرعون لما وقف على أن زوال ملكه على يده أمر باحضار الكهنة، فدلوه على نسبه وأنه يكوه من بني إسرائيل، ولم يزل يأمر أصحابه بشق بطون الحوامل من (نساء) بني إسرائيل حتى قتل في طلبه نيفا وعشرين ألف مولد، وتعذر عليه الوصول إلى قتل موسى لحفظ الله تبارك وتعالى إياه. كذلك بنو أمية وبنو العباس لما وقفوا على أن زوال ملكهم والامراء والجبابرة منهم على يد القائم منا، ناصبونا العداوة، ووضعوا سيوفهم في قتل آل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وإبادة نسله، طمعا منهم في الوصول إلى قتل القائم ، ويأبى الله أن يكشف أمره لواحد من الظلمة إلى أن يتم نوره ولو كره المشركون. وأما غيبة عيسى فان اليهود والنصارى اتفقت على أنه قتل، وكذبهم الله عزوجل بقوله: " وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم " كذلك غيبة القائم فان الامة تنكرها لطولها.. وأما إبطاء نوح فانه لما استنزل العقوبة على قومه من السماء، بعث الله عزوجل جبرئيل الروح الامين بسبعة (سبع) نويات فقال: يا نبي الله إن الله تبارك
[ 344 ]
وتعالى يقول لك: إن هؤلاء خلائقي وعبادي ولست ابيدهم بصاعقة من صواعقي إلا بعد تأكيد الدعوة وإلزام الحجة، فعاود اجتهادك في الدعوة لقومك فاني مثيبك عليه، واغرس هذا النوى فان لك في نباتها وبلوغها وإدراكها إذا أثمرت الفرج والخلاص، فبشر بذلك من تبعك من المؤمنين. فلما نبتت الاشجار وتأزرت وتسوقت وتغصنت وأثمرت وزها الثمر عليها بعد زمن طويل، استنجز من الله العدة، فأمره الله تبارك وتالى أن يغرس من نوى تلك الاشجار ويعاود الصبر والاجتهاد، ويؤكد الحجة على قومه، فأخبر بذلك الطوائف التي آمنت به، فارتد منهم ثلاث مائة رجل وقالوا: ولو كان ما يدعيه نوح حقا لما وقع في وعد ربه خلف. ثم إن الله تبارك وتعالى لم يزل يأمره عند كل مرة أن يغرسها تارة بعد أخرى، إلى أن غرسها سبع مرات، فما زالت تلك الطوائف من المؤمنين ترتد منهم طائفة، إلى أن عاد إلى نيف وسبعين رجلا، فأوحى الله عزوجل عند ذلك إليه وقال: يا نوح الان أسفر الصبح عن الليل لعينك، حين صرح الحق عن محضه وصفي (الامر للايمان) من الكدر، بارتداد كل من كانت طينته خبيثة.. قال الصادق وكذلك القائم تمتد أيام غيبته ليصرح الحق عن محضه، ويصفوا الايمان من الكدر.. " البحار ج 51 ص 219 - 222. نماذج من الادعية له وزيارته " اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن، صلواتك عليه وعلى آبائه، في هذه الساعة وفي كل ساعة، وليا وحافظا وقائدا وناصرا، ودليلا وعينا. حتى تسكنه أرضك طوعا، وتمتعه فيها طويلا ". " اللهم وصل على ولي أمرك، القائم المؤمل، والعدل المنتظر، وحفه بملائكتك
[ 345 ]
المقربين، وأيده منك بروح القدس يا رب العالمين. اللهم اجعله الداعي إلى كتابك، والقائم بدينك. إستخلفه في الارض كما استخلفت الذين من قبله. مكن له دينه الذي ارتضيته له. أبدله من بعد خوفه أمنا يعبدك لا يشرك بك شيئا. اللهم أعزه وأعززبه، وانصره وانتصر به، وافتح له فتحا يسيرا، واجعل له من لدنك سلطانا نصيرا. أللهم أظهر به دينك وسنة نبيك حتى لا يستخفي بشي من الحق مخافة أحد من الخلق. أللهم إنا نرغب إليك في دولة كريمة، تعز بها الاسلام وأهله، وتذل بها (الكفر) والنفاق وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاء إلى طاعتك، والقادة إلى سبيلك، وترزقنا بها كرامة الدنيا والاخرة. اللهم ما عرفتنا من الحق فحملناه، وما قصرنا عنه فبلغناه. أللهم المم به شعثنا، واشعب به صدعنا، وارتق به فتقنا، وكثر به قلتنا، وأعززبه ذلتنا، وأغن به عائلنا، واقض به عن مغرمنا، واجبر به فقرنا، وسد به خلتنا، ويسر به عسرنا، وبيض به وجوهنا، وفك به أسرنا، وأنجح به طلبتنا، وأنجز به مواعيدنا، واستجب به دعوتنا، وأعطنا به سؤلنا، وبلغنا به من الدنيا والاخرة آمالنا، وأعطنا به فوق رغبتنا. يا خير المسؤولين وأوسع المعطين، إشف به صدورنا، وأذهب به غيظ قلوبنا، واهدنا به لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم، وانصرنا به على عدوك وعدونا إله الحق آمين. أللهم إنا نشكو إليك فقد نبينا صلواتك عليه وآله، وغيبة ولينا، وكثرة عدونا، وقلة عددنا، وشدة الفتن بنا، وتظاهر الزمان علينا، فصل على محمد وآل محمد، وأعنا على ذلك كله بفتح منك تعجله، وضر تكشفه ونصر تعزه، وسلطان حق
[ 346 ]
تظهره، ورحمة منك تجللناها، وعافية منك تلبسناها، برحمتك يا أرحم الراحمين. ".. اللهم صلى على محمد وعليهم صلاة كثيرة دائمة طيبة، لا يحبط بها إلا أنت، ولا يسعها إلا علمك، ولا يحصيها أحد غيرك. اللهم صلى على وليك المحيى سنتك، القائم بأمرك، الداعي اليك، الدليل عليك، وحجتك على خلقك، وخليفتك في أمرك، وشاهدك على عبادك. اللهم أعز نصره، ومد عمره، وزين الارض بطول بقائه. اللهم اكفه بغي الحاسدين، وأعذه من شر الكائدين، وازجر عنه إرادة الظالمين، وخلصه من أيدي الجبارين. اللهم أعطه في نفسه، وذريته، وشيعته، ورعيته، وخاصته، وعامته، وعدوه وجميع اهل الدنيا ما تقربه عينه، وتسر به نفسه، وبلغه أفضل أمله في الدنيا والاخرة. انك على كل شئ قدير. اللهم جدد به ما محي من دينك، وأحي به ما بدل من كتابك، وأظهر به ما غير من حكمك، حتي يعود دينك به وعلى يديه غضا جديدا خالصا مخلصا، لا شك فيه ولا شبهة معه، ولا باطل عنده ولا بدعة لديه. اللهم نوره بنوره كل ظلمة، وهدبر كنه كل بدعة، واهدم بعزته كل ضلالة، واقصم به كل جبار، وأخمد بسيفه كل نار، وأهلك بعدله كل جبار، وأجر حكمه على كل حكم، واذل لسلطانه كل سلطان. اللهم أذن كل من ناواه، وأهلك كل من عاداه، وامكر بمن كاده، واستأصل من جحد حقه واستهان بأمره، وسعى في إطفاء نوره، وأراد إخماد ذكره ". ".. اللهم لك الحمد على ما جرى به قضاؤك في أوليائك، الذين استخلصتهم لنفسك ودينك، إذا اخترت لهم جزيل ما عندك من النعيم المقيم، الذى لا زوال له
[ 347 ]
ولا اضمحلال، بعد أن شرطت عليهم الزهد في درجات هذه الدنيا الدنية وزخرفها وزبرجها، فشرطوا لك ذلك، وعلمت منهم الوفاء به، فقبلتهم وقربتهم، وقدمت لهم الذكر العلي، والثناء الجلي، وأهبطت عليهم ملائكتك، وأكرمتهم بوحيك، ورفدتهم بعلمك، وجعلتهم الذرائع اليك، والوسيلة إلى رضوانك. فبعض أسكنته جنتك إلى أن أخرجته منها. وبعض حملته في فلكك ونجيته ومن آمن معه من الهلكة برحمتك. وبعض اتخذته خليلا، وسألك لسان صدق في الاخرين فأجبته، وجعلت ذلك عليا. وبعض كلمته من جشرة تكليما، وجعلت له من أخيه ردءا ووزيرا. وبعض أولدته من غير أب، وآتيته البينات، وأيدته بروح القدس. وكلا شرعت له شريعة، ونهجت له منهاجا، وتخيرت له أوصياء، مستحفظا بعد مستحفظ، من مدة إلى مدة، إقامة لدينك، وحجة على عبادك، ولئلا يزول الحق عن مقره، ويغلب الباطل على أهله، ولا يقول أحد: لو لا أرسلت الينا رسولا منذرا، واقمت لنا علما هاديا، فنتبع آياتك من قبل أن نذر ونخرى. إلى أن انتهيت بالامر إلى حبيبك ونجيبك محمد صلى الله عليه وآله فكان كما انتجبته، سيد من خلقته، وصفوة من اصطفيته، وأفضل من اجتبيته، واكرم من اعتمدته، قدمته على أنبيائك، وبعثته إلى الثقلين من عبادك، واوطأته مشارقك ومغاربك وسخرت له البراق وعرجت به إلى سمائك، واودعته علم ما كان وما يكون إلى انقضاء خلقك. " فعلى الاطائب من أهل بيت محمد وعلي صلى الله عليهما وآلهما فليبك الباكون، وإياهم فليندب النادبون، ولمثلهم فلتذرف الدموع، وليصرخ الصارخون، ويضج الضاجون، ويعج العاجون. أين الحسن، أين الحسين، أين أبناء الحسين، صالح بعد صالح، وصادق بعد صادق. أين السبيل بعد السبيل، أين الخيرة بعد الخيرة، أين الشموس الطالعة، أين الاقمار المنيرة، أين الانجم الزاهرة، أين أعلام الدين، وقواعد العلم.
[ 348 ]
أين بقية الله التي لا تخلو من العترة الطاهرة، أين المعد لقطع دابر الظلمة، أين المنتظر لاقامة الامت والعوج، أين المرتجى لازالة الجور والعدوان، أين المدخر لتجديد الفرائض والسنن، أين المتخير لاعادة الملة والشريعة، أين المؤمل لاحياء الكتاب وحدوده، أين محيى معالم الدين وأهله، أين قاصم شوكة المعتدين، أين هادم أبنية الشرك والنفاق. أين معز الاولياء ومذل الاعداء، أين جامع الكلم على التقوى، أين السبب المتصل بين أهل الارض والسماء، أين صاحب يوم الفتح، وناشر رايات الهدى، أين مؤلف الشمل الصلاح والرضا، اين الطالب بذحول الانبياء وأبناء الانبياء، أين الطالب بدم المقتول بكربلاء. " بأبي أنت وامي، ونفسي لك الوقاء والحمى، يابن السادة المقربين، يابن النجباء الاكرمين، يابن الهداة المهتدين يابن الخيرة المهديين. عزيز علي أن أرى الخلق ولا ترى، ولا أسمع لك حسيسا ولا نجوى، عزيز علي أن لا تحيط بي دونك البلوى، ولا ينالك مني ضجيج ولا شكوى. بنفسي أنت من مغيب لم يخل منا، بنفسي أنت من نازح لم ينزح عنا. إلى متى أحار فيك يا مولاي والى متى. وأي خطاب أصف فيك وأي نجوى. عزيز علي ان أجاب دونك وأناغي. عزيز علي أن أبكيك ويخذلك الورى. عزيز على أن يجري عليك دونهم ما يجرى. هل من معين فأطيل معه العويل والبكا. هل من جزوع فأساعد جزعه إذا خلا. هل قذيت عين فتسعدها عيني على القذى. هل إليك يا ابن أحمد سبيل فتلقى هل يتصل يومنا منك بغده فنحظى. ترى أترانا نحف بك وأنت توم الملا، وقد ملات الارض عدلا، وأذقت أعداءك هوانا وعقابا، واجتثثت أصول الظالمين، ونحن نقول الحمد لله رب العالمين. اللهم أنت كشاف الكرب والبلوى، واليك أستعدى فعندك العدوى، وأنت رب الاخرة والاولى.
[ 349 ]
.. اللهم ونحن عبيدك التائقون إلى وليك، المذكر بك وبنبيك، الذي خلقته لنا عصمة وملاذا، وأقمته لنا قواما ومعاذا، وجعلته للمؤمنين منا إماما، فبلغه منا تحية وسلاما... اللهم وأقم به الحق، وادحض به الباطل، وأدل به أولياءك، وأذلل به أعداءك، وم بيننا وبينه وصلة تؤدي إلى مرافقة سلفه، واجعنا ممن يأخذ بحجزتهم، ويكمن في ظلهم، وأعنا على تأدية حقوقه إليه، والاجتهاد في طاعته، والاجتناب عن معصيته، وامنن علينا برضاه، وهب لنا رأفته ورحمته ودعاءه، وخير ما ننال به سعة من رحمتك، وفوزا عندك، واجعل صلواتنا به مقبولة، وذنوبنا به مغفورة، ودعاءنا به مستجابا، واجعل أرزاقنا به مبسوطة، وهمومنا به مكفية، وحوائجنا به مقضية، وأقبل الينا بوجهك الكريم، واقبل تقربنا إليك، وانظر إلينا نظرة رحيمة، نستكمل بها الكرامة عندك، ثم لا تصرفها عنا بجودك. واسقنا من حوض جده صلى الله عليه وآله، بكأسه وبيده، ريا رويا، سائغا هنيا، لا ظمأ بعده. يا أرحم الراحمين ". وهذا غيض من فيض، من آدابنا الشيعية وأدبنا الشيعي مع الامام المهدي الموعود أرواحنا فداه. وفي مدحه وحبه من الشعر من صدر الاسلام إلى يومنا مئات القصائد، وفيها من عيون الشعر العربي، وآيات الشعر الفارسي والتركي والاوردي. وسنختم الكتاب بمقطوعات منها، ان شاء الله.
[ 351 ]
عقيدة السنة في المهدى المنتظر يتصور البعض أن عقيدة المهدي المنتظر عقيدة خاصة بالشيعة، بينما هي عند السنة أصيلة كأصالتها عند الشيعة، لا فرق بين الجميع في ثبوت البشارة عن النبي صلى الله عليه وآله بالمهدي المنتظر (ع) ولا في مهمته العالمية، ولا في شخصيته المقدسة المتميزة، ولا في علامات ظهوره ومعالم ثورته. وقد يكون الفرق الوحيد بشأنها أننا نحن الشيعة نعتقد بأنه هو الامام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري (ع) المولود سنة 255 ه‍. وأن الله تعالى مد في عمره كما مد في عمر الخضر (ع) فهو حي غائب حتى يأذن الله له بالظهور. بينما يرى غالبية علماء السنة أنه لم يثبت أنه مولود وغائب، بل سوف يولد ويحقق ما بشر به النبي صلى الله عليه وآله. وقليل منهم يوافقنا على ولادته وغيبته. وتظهر أصالة عقيدة المهدي عند السنة في كثرة أحاديثها في مصادرهم وأصولهم الحديثية والعقائدية، وفي فتاوى وآراء علمائهم، وفي التاريخ العلمي والسياسي لهذه العقيدة في أوساطهم عبر الاجيال. وعلى هذا الاساس، فإن الحركات المهدية في أوساط المسلمين السنة، مثل حركة المهدي السوداني في القرن الماضي، وحركة الحرم المكي
[ 352 ]
الشريف في مطلع هذا القرن، والحركات المتضمنة لافكار مهدية بشكل بارز كحركة الجهاد والهجرة في مصر، وأمثالها من الحركات. لم تنشأ من فراغ، أو من تأثر بأفكار الشيعة عن المهدي، كما يتصور بعضهم. إن عدد رواة أحاديث المهدي المنتظر من الصحابة والتابعين السنة لا يقل عن عددهم من الشيعة. وذلك من دونها منهم في الاصول والموسوعات الحديثية، ومن ألف فيها مؤلفا خاصا. ولعل أقدم مؤلف سني وصل إلينا في عقيدة المهدي هو كتاب " الفتن والملاحم " للحفاظ نعيم بن حماد المروزي المتوفى سنة 227 ه‍. وهو من شيوخ البخاري وغيره من مصنفي الصحاح. وتوجد منه نسخة في مكتبة دائرة المعارف العثمانية في حيدر آباد الهند رقم 3187 - 83، ونسخة في المكتبة الظاهرية بدمشق رقم 62 - أدب، ونسخة في مكتبة المتحف البريطاني تقع في نحو مئتي صفحة مزدوجة، وقدتم نسخها سنة 706 ه‍. ويوجد على بعض صفحاتها عبارة (وقف حسين أفندي) مما يشير إلى أنها أخذت من موقوفات تركيا. وقد سجلت في المكتبة البريطانية سنة 1924 م. وهي التي نقلنا عنها في هذا الكتاب. أما بقية المصادر الحديثية والعقائدية السنية التي تعرضت لعقيدة المهدي المنتظر أو عقدت لها فصلا فتزيد على الخمسين مصدر بما فيها كتب الصحاح. وأما المؤلفات والرسائل والبحوث الخاصة بالموضوع فهي تقارب عدد المصادر. كما أن أقدم مؤلف شيعي وصل إلينا في عقيدة المهدي أيضا كتاب " الغيبة " أو كتاب " القائم " للفضل بن شاذان الازدي النيشابوري المعاصر لنعيم بن حماد، والذي ألف كتابه قبل ولادة الامام المهدي (ع) وغيبته ! وقد كانت نسخه متداولة بين علمائنا إلى أن فقدت في هذا القرن مع
[ 353 ]
الاسف، ولكن بقي منه ما رواه العلماء عن مؤلفه، وما نقلوه عن كتابه في كتبهم، خاصة ما نقله العلامة المجلسي رحمه الله في موسوعته " بحار الانوار ". وعلى مر العصور كانت عقيدة المهدي المنتظر من العقائد الثابتة المتسالم عليها عند علماء السنة وجمهورهم، فإن ظهر رأي شاد ينكرها أو يشكك فيها، تصدى له العلماء والمحققون وردوه وأنكروا عليه أن يشكك في واحدة من عقائد الاسلام ثبتت وتواترت أحاديثها عن النبي صلى الله عليه وآله. وبين أيدينا نموذجان ممن شكك في عقيدة المهدي فرد عليهما علماء السنة: الاول: ابن خلدون، من علماء القرن الثامن، صاحب التاريخ المعروف. قال في مقدمة تاريخه ص 311 طبعة دار احياء التراث العربي. " إعلم أن المشهور بين الكافة من أهل الاسلام عى ممر الاعصار أنه لابد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت يؤيد الدين ويظهر العدل، ويتبعه المسلمون ويستولي على الممالك الاسلامية، ويسمى بالمهدي، ويكون خروج الدجال وما بعده من أشراط الساعة الثابتة في الصحيح على أثره، وان عيسى ينزل من بعده فيقتل الدجال، أو ينزل معه فيساعده على قتله ويأتم بالمهدي في صلاته ". ثم استعرض ابن خلدون ثمانية وعشرين حديثا وردت في المهدي وناقش في بعض رجال أسانيدها، وختم مناقشاته بقوله ص 322 " فهذه جملة الاحاديث التي خرجها الائمة في شأن المهدي وخروجه في آخر الزمان، وهي كما رأيت لم يخلص منها من النقد إلا القليل والاقل منه ". ثم استعرض بعض آراء المتصوفة في المهدي المنتظر، وختم مناقشته لها بقوله ص 327 " والحق الذي ينبغى أن يتقرب لديك أنه لا تتم دعوة من
[ 354 ]
الدين والملك إلا بوجود شوكة عصبية تظهره وتدافع عنه من يدفعه حتى يظهر أمر الله فيه. وقد قررنا ذلك من قبل بالبراهين القطعية التي أريناك هناك. وعصبية الفاطميين بل وقريش أجمع قد تلاشت من جميع الافاق، ووجد أمم آخرون قد استعلت عصبيتهم على عصبية قريش إلا ما بقي بالحجاز في مكة وينبع بالمدينة من الطالبيين من بني حسن وبني حسين وبني جعفر، وهم منتشرون في تلك البلاد وغالبون عليها، وهم عصائب متفرقون في مواطنهم وإماراتهم وآرائهم يبلغون آلافا من الكثرة. فإن صح ظهور هذا المهدي فلا وجه لظهوره ودعوته إلا بأن يكون منهم ويؤلف الله بين قلوبهم في اتباعه حتى تتم له شوكة وعصبية وافية باظهار كلمته وحمل الناس عليها. وأما على غير هذا الوجه مثل أن يدعو فاطمي منهم إلى مثل هذا الامر في أفق من الافاق من غير عصبية ولا شوكة إلا مجرد نسبه في أهل البيت فلا يتم ذلك ولا يمكن ". ومع ان ابن خلدون لم يجزم بنفي عقيدة المهدي المنتظر ولكنه استبعدها وناقش في عدد من أحاديثها، فقد اعتبر العلماء ذلك منه شذوذا وتكذيبا لعقيدة اسلامية استفاضت احاديثها وتواترت، وانتقدوه بأنه مؤرخ وليس من أهل الاختصاص في الحديث حتى يحق له الجرح والتعديل والاجتهاد. وأوسع ما رأيت في الرد عليه كتاب " الوهم المكنون من كلام ابن خلدون " للعالم المحدث أحمد بن الصديق المغربي في اكثر من مئة وخمسين صفحة، قدم له مقدمة وافية ذكر فيها جملة من آراء أئمة الحديث في صحة أحاديث المهدي المنتظر وتواترها، ثم فند مناقشات ابن خلدون واحدة واحدة لاسانيد الاحاديث الثمان والعشرين التي ذكرها، ثم أكمل أحاديث المهدى إلى مئة حديث. والنموذج الثاني: كتاب " لا مهدي ينتظر بعد الرسول خبر البشر " الذي
[ 355 ]
نشره مؤلفه الشيخ عبد الله محمود رئيس المحاكم الشرعية في قطر على أثر حركة المسجد الحرام وادعاء قائدها محمد عبد الله القرشي أنه المهدي المنتظر. فتصدى له عدد من علماء الحجاز وردوا عليه، ومنهم العالم المحدث الشيخ عبد المحسن العباد المدرس بالجامعة الاسلامية في المدينة المنورة، الذي رد عليه في بحث واف في أكثر من خمسين صفحة باسم " الرد على من كذب بالاحاديث الصحيحة الواردة في المهدي " ونشره في العدد 45 من مجلة الجامعة الاسلامية - محرم 1400 ه‍. وأشار في مقدمته إلى بحثه الذي كان نشره في نفس المجلة. قال: " وعلى أثر وقوع هذا الحادث المؤلم لقلب كل مسلم (..) حصلت بعض التساؤلات عن خروج المهدي في آخر الزمان وهل صح فيه شئ من الاحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأوضح بعض العلماء في الاذاعة والصحف صحة كثيرة من الاحاديث الواردة في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنهم سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رئيس ادارة البحوث العلمية والدعوة والارشاد، فقد تحدث في الاذاعة وكتب في بعض الصحف مبينا ثبوت ذلك بالاحاديث المستفيضة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومستنكرا ما قام به هؤلاء المبطلون (..) من الاعتداء على بيت الله الحرام. ومنهم فضيلة الشيخ عبد العزيز بن صالح امام وخطيب المسجد النبوي الشريف، فقد ندد في إحدى خطب الجمعة باعتداء هذه الفئة الاثمة الظالمة (..) وبين أنهم ومن زعموه المهدي في واد والمهدي الذي جاء ذكره في الاحاديث في واد آخر. وحصل في مقابل ذلك أن أصدر فضيلة الشيخ عبد الله بن زيد المحمود رئيس الحاكم الشرعية في دولة قطر رسالة سماها " لا مهدي ينتظر بعد
[ 356 ]
الرسول خير البشر " نحا فيها منحى بعض الكتاب في القرن الرابع عشر ممن ليست لهم خبرة بحديث رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم ومعرفة صحيحه وسقيمه، وفيهم من تعويله على الشبهات العقلية، وكذب بكل ما ورد في المهدي، وقال كما قالوا: انها أحاديث خرافة، وإنها وإنها. الخ. وقد رأيت كتابة هذه السطور مبينا أخطاءه وأوهامه في هذه الرسالة وموضحا بأن القول بخروج المهدي في آخر الزمان هو الذي تدل عليه الاحاديث الصحيحة وهو ما عليه العلماء من أهل السنة والاثر في القديم والحديث، إلا من شذ. ومن المناسب أن أشير هنا إلى أنني سبق أن كتبت بحثا بعنوان " عقيدة أهل السنة والاثر في المهدي المنتظر " وقد نشر هذا البحث في العدد الثالث من السنة الاولى من مجلة الجامعة الاسلامية بالمدينة المنورة الصادر في شهر ذي القعدة 1388 ه‍. يشتمل هذا البحث على عشرة أمور: الاول: في ذكر أسماء الصحابة الذين رووا أحاديث المهدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. الثاني: في ذكر أسماء الائمة الذي خرجوا الاحاديث والاثار الواردة في المهدي في كتبهم. الثالث: في ذكر العلماء الذين أفردوا مسألة المهدي بالتأليف. الرابع: في ذكر العلماء الذي حكموا بتواتر أحاديث المهدي، وحكاية كلامهم في ذلك. الخامس: في ذكر بعض ما ورد في الصحيحين من الاحاديث التي لها تعلق بشأن المهدى. السادس: في ذكر بعض الاحاديث الواردة في شأن المهدي في غير الصحيحين مع الكلام على أسانيد بعضها.
[ 357 ]
السابع: في ذكر بعض العلماء الذين احتجوا بأحاديث المهدي واعتقدوا موجبها، وحكاية كلامهم في ذلك. الثامن: في ذكر من وقفت عليه ممن حكي عنه إنكار الاحاديث في المهدي أو التردد فيها، مع مناقشة كلامه باختصار. التاسع: في ذكر بعض ما يظن تعارضه مع الاحاديث الواردة في المهدي، والجواب على ذلك. العاشر: كلمة ختمامية في بيان أن التصديق بخروج المهدي في آخر الزمان من الايمان بالغيب، وأن لا علاقة لعقيدة أهل السنة في المهدي بعقيدة الشيعة. والحق أن بحث ابن الصديق المغربي في الرد على ابن خلدون، وبحثي الشيخ العباد المذكورين من أغنى البحوث الحديثية العقائدية عند السنة في عقيدة المهدي المنتظر، وقد كنت أرغب في نقل بعض مقتطفات منها لولا أن الانفع نقل آراء علماء آخرين من كتاب " الامام المهدي عند أهل السنة " الذي أصدرته أخيرا مكتبة الامام أمير المؤمنين (ع) بأصفهان وجمعت فيه فصولا من كتب الحديث ورسائل مفردة وبحوثا حول المهدي المنتظر (ع) لاكثر من خمسين من أئمة السنة وعلمائهم، وقد وعدت باصدار ما بقي من المصادر المخطوطة في مجلد آخر. ابن القيم الجوزية قال في كتابه " المنار المنيف في الصحيح والضعيف " بعد أن ذكر عددا من أحاديث المهدي المنتظر: " وهذه الاحاديث أربعة أقسام: صحاح،
[ 358 ]
وحسان، وغرائب، وموضوعة. وقد اختلف الناس في المهدي على أربعة أقوال: أحدها، أنه المسيح بن مريم، وهو المهدي على الحقيقة. واحتج اصحاب هذا بحديث محمد بن خالد الجندي المتقدم (يقصد حديث لا مهدي الا عيسى) وقد بينا حاله وأنه لا يصح، ولو صح لم يكن فيه حجة، لان عيسى أعظم مهدي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وبين الساعة. القول الثاني، أنه المهدي الذي ولي من بني العباس، وقد انتهى زمانه. واحتج أصحاب هذا القول بما رواه أحمد في مسنده: " إذا رأيتم الرايات السود قد أقبلت من خراسان فأتوها ولو حبوا على الثلج، فإن فيها خليفة الله المهدي "... وفي سنن ابن ماجه عن عبد الله بن مسعود قال " بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وآله إذ أقبل فتية من بني هاشم، فلما رآهم النبي صلى الله عليه وآله اغرورقت عيناه وتغير لونه، فقلت: ما نزال نرى في وجهك شيئا نكرهه ! قال: إنا أهل بيت اختار الله لنا الاخرة على الدنيا، وإن أهل بيتي سيلقون بلاء وتشريدا وتطريدا، حتى يأتي قوم من أهل المشرق ومعهم رايات سود، يسألون الحق فلا يعطونه، فيقاتلون فينصرون، فيعطون ما سألوا فلا يقبلونه، حتى يدفعونها إلى رجل من أهل بيتي، فيملؤها قسطا كما ملئت جورا. فمن أدرك ذلك فليأتهم ولو حبوا على الثلج. ".. وهذا والذي قبله لو صح، لم يكن فيه دليل على ان المهدي الذي تولى من بني العباس هو المهدي الذي يخرج في آخر الزمان، بل هو مهدي من جملة المهديين. وعمر بن عبد العزيز كان مهديا، بل هو أولى بإسم المهدي منه... فالمهدي في جانب الخير والرشد كالدجال في جانب الشر والضلال. وكما أن بين يدي الدجال الاكبر صاحب الخوارق دجالين كذابين، فكذلك بين يدي المهدي الاكبر مهديون راشدون.
[ 359 ]
القول الثالث، أنه رجل من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله من ولد الحسن بن علي، يخرج في آخر الزمان وقد امتلات الارض جورا وظلما فيملؤها قسطا وعدلا. واكثر الاحاديث على هذا تدل. وفي كونه من ولد الحسن سر لطيف، وهو ان الحسن رضي الله تعالى عنه ترك الخلافة لله، فجعل الله من ولده من يقوم بالخلافة بالحق المتضمن للعدل الذي يملا الارض، وهذه سنة الله في عباده، أنه من ترك لاجله شيئا أعطاه الله أو أعطى ذريته أفضل منه. " الخ. المصدر ج 1 ص 289. ابن حجر الهيثمي قال في كتابه " الصواعق المحرقة ": " الاية الثانية عشرة قوله تعالى " وإنه لعلم للساعة " قال مقاتل بن سليمان ومن تبعه من المفسرين إن هذه الاية نزلت في المهدي، وستأتي الاحاديث المصرحة بأنه من أهل البيت النبوي، وحينئذ ففي الاية دلالة على البركة في نسل فاطمة وعلي رضي الله عنهما، وأن الله ليخرج منهما كثيرا طيبا، وأن يجعل نسلهما مفاتيح الحكمة ومعادن الرحمة. وسر ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله أعاذها وذريتها من الشيطان الرجيم، ودعا لعلي بمثل ذلك. وشرح ذلك كله يعلم بسياق الاحاديث الدالة عليه " المصدر ج 1 ص 420 أقول: ويمكن الجمع بين تفسيره الاية بالمهدي وتفسيرها بعيسى عليهما السلام بأن عيسى ينزل في زمن المهدي ويعاونه، وتظهر آيات الحق والساعة على يديهما معا. وقال ابن حجر بعد أن أورد جملة من أحاديث المهدي، معلقا على حديث " لا مهدي الا عيسى بن مريم ": " ثم تأويل لا مهدي الا عيسى " انما
[ 360 ]
هو على تقدير ثبوته، وإلا فقد قال الحاكم: إنما أوردته تعجبا لامحتجا به. وقال البيهقي: تفرد به محمد بن خالد، وقال الحاكم انه مجهول، واختلف عنه في اسناده، وصرح النسائي بأنه منكر. وجزم غيره من الحفاظ بأن الاحاديث التي قبله، أي الناصة على أن المهدي من ولد فاطمطة، أصح إسنادا " ج 1 ص 433، ثم ذكر جملة أخرى من أحاديث المهدي . أبو الفداء ابن كثير قال في النهاية: " فصل في ذكر المهدي الذي يكون في آخر الزمان، وهو أحد الخلفاء الراشدين والائمة المهديين. فقد نطقت به الاحاديث المروية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وأنه يكون في آخر الدهر.. ". وقال تعقيبا على حديث " تخرج من خراسان رايات سود فلا يردها شئ حتى تنصب بإيلياء ": وهذه الرايات ليست هي التي أقبل بها أبو مسلم الخراساني فاستلب بها دولة بني أمية في سنة سنتين وثلاثين ومئة، بل رايات سود أخرى تأتي صحبة المهدي، وهو محمد بن عبد الله العلوي الفاطمي الحسني رضي الله عنه، يصلحه الله في ليلة واحدة، أي يتوب عليه، ويوفقه، ويلهمه ويرشده، بعد أن لم يكن كذاك. ويؤيده ناس من أهل المشرق ينصرونه، ويقيمون سلطانه ويشيدون أركانه، وتكون راياتهم سودا أيضا، وهو زي عليه الوقار لان راية رسول الله صلى الله عليه وآله كانت سوداء يقال لها العقاب. ".. والمقصود أن المهدي الممدوح الموعود بوجوده في آخر الزمان يكون أصل ظهوره وخروجه من ناحية المشرق، ويبايع له عند البيت، كما دل
[ 361 ]
على ذلك بعض الاحاديث. وقد أفردت في ذكر المهدي جزء على حدة ولله الحمد " المصدر ج 1 ص 296 و 301 و 302. جلال الدين السيوطي قال في كتابه " الحاوي للتفاوي ": " أخرج ابن جرير في تفسيره، عن السدي في قوله تعالى " ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها " قال هم الروم، كانوا ظاهروا بخت نصر في خراب بيت المقدس. وفي قوله تعالى " أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين " قال فليس في الارض رومي يدخله اليوم إلا وهو خائف أن تضرب عنقه، أو قد أخيف بأداء الجزية فهو يؤديها. وفي قوله " لهم في الدنيا خزي " قال أما خزيهم في الدنيا فإنه إذا قام المهدي وفتحت القسطنطينية قتلهم، فذلك الخزي " المصدر ج 1 ص 354. وقال في التعليق على حديث " لا مهدي الا عيسى بن مريم ": قال القرطبي في التذكرة: إسناده ضعيف. والاحاديث عن النبي صلى الله عليه وآله في التنصيص على خروج المهدي من عترته وأنه من عترته وأنه من ولد فاطمة ثابتة أصح من هذا الحديث، فالحكم بها دونه. قال أبو الحسن محمد بن الحسين بن ابراهيم بن عاصم السحري: قد تواترت الاخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى صلى الله عليه وآله بمجئ المهدي، وأنه من أهل بيته، وأنه سيملك سبع سنين، وأنه يملا الارض عدلا، وأنه يخرج معه عيسى فيساعده على قتل الدجال بباب لد بأرض فلسطين، وأنه يؤم هذه الامة وعيسى يصلي خلفه، في طول من قصته وأمره " المصدر ج 1 ص 396.
[ 362 ]
ابن أبي الحديد المعتزلي قال في شرح نهج البلاغة في شرح قوله " وبنا يختم لا بكم ": " اشارة إلى المهدي الذي يظهر في آخر الزمان، وأكثر المحدثين على أنه من ولد فاطمة (ع) واصحابنا المعتزلة لا ينكرونه، وقد صرحوا بذكره في كتبهم واعترف به شيوخهم. إلا أنه عندنا لم يخلق بعد وسيخلق. والى هذا المذهب يذهب أصحاب الحديث أيضا " المصدر ج 1 ص 146. وقال في شرح قوله " لتعطفن الدنيا علينا بعد شماسها عطف الضروس على ولدها. وتلا عقيب ذلك: " ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين " قال: والامامية تزعم أن ذلك وعد منه بالامام الغائب يملك الارض في آخر الزمان. وأصحابنا يقولون إنه وعد بامام يملك الارض ويستولي على الممالك، ولا يلزم من ذلك أنه لابد أن يكون موجودا. وتقول الزيدية: إنه لابد من أن يملك الارض فاطمي يتلوه جماعة من الفاطميين على مذهب زيد، وان لم يكن أحد منهم الان موجودا " المصدر ج 1 ص 174. وفي شرح قوله " بأبي ابن خيرة الامام " قال: " أما الامامية فيزعمون أنه إمامهم الثاني عشر وأنه ابن أمة اسمها نرجس. وأما أصحابنا فيزعمون أنه فاطمي يولد في مستقبل الزمان لام ولد وليس بموجود الان.. وأنه يملا الارض عدلا كما ملئت جورا، وينتقم من الظالمين وينكل بهم أشد النكال " المصدر ج 1 ص 152، ولكن إذا كان سيولد في عصرنا مثلا فأين الاماء، وكيف يكون ابن أم ولد وابن خيرة الاماء ؟.
[ 363 ]
وقال ابن أبي الحديد، قوله " في سترة من الناس " هذا الكلام يدل على استتار هذا الانسان المشار إليه، وليس ذلك بنافع للامامية في مذهبهم، وان ظنوا أنه تصريح بقولهم. وذلك لانه من الجائز أن يكون هذا الامام يخلقه الله تعالى في آخر الزمان، ويكون مستترا مدة وله دعاة يدعون إليه ويقررون أمره، ثم يظهر بعد ذلك الاستتار ويملك الممالك ويقهر الدول ويمهد الارض " المصدر ج 1 ص 163. العلامة المناوي صاحب فيض القدير قال في شرح حديث " المهدي رجل من ولدي وجهه كالكوكب الدري ": قال في المطامح: حكي أنه يكون في هذه الامة خليفة لا يفضل عليه أبو بكر ا. ه‍. وأخبار المهدي كثيرة شهيرة أفردها غير واحد في التأليف. قال السمهودي: ويتحصل مما ثبت في الاخبار عنه أنه من ولد فاطمة، وفي أبي داود أنه من ولد الحسن، والسر فيه ترك الحسن للخلافة لله شفقة على الامة، فجعل القائم بالخلافة الحق عند شدة الحاجة وامتلاء الارض ظلما من ولده. وهذه سنة الله في عباده أنه يعطي لمن ترك شيئا من أجله أفضل مما ترك أو ذريته. ثم قال " تنبيه: أخبار المهدي لا يعارضها خبر " لا مهدي الا عيسى بن مريم " لان المراد به كما قال القرطبي لا مهدي كاملا معصوما إلا عيسى. (الروياني) في مسنده عن حذيفة، قال ابن الجوزي، قال ابن أحمد الرازي: حديث باطل ا. ه‍. وفيه محمد بن ابراهيم الصوري، قال: قال في الميزان عن ابن الجلاب، روى عن رواد خبرا باطلا منكرا في ذكر المهدي، ثم ساق هذا الخبر وقال، هذا باطل " المصدر ج ص 54.
[ 364 ]
العلامة خير الدين الالوسي قال في غالية المواعظ: " فمنها - أي علامات الساعة - خروج المهدي رضي الله تعالى عنه على القول الاصح عند أكثر العلماء، ولاعبرة بمن أنكر مجيئه من الفضلاء. وفئ مجئ المهدي أحاديث عديدة.. ". وقال بعد أن استعرض قسما من أحاديثه " وهذا الذي ذكرناه في أمر المهدي هو الصحيح من أقوال أهل السنة والجماعة " المصدر ج 2 ص 158 و 160. الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الازهر قال في مقال نشرته مجلة التمدن الاسلامي بعنوان " نظرة في أحاديث المهدي): " ويلحق بالاحكام العملية في صحة الاحتجاج بخبر الاحاد أشياء يخبر بها الشارع ليعلمها الناس من غير أن يتوقف صحة ايمانهم على معرفتها. ومن هذا القبيل حديث المهدي. فإذا ورد حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وآله بأنه سيقع في آخر الزمان كذا، حصل به العلم، ووجب الوقوف عليه من غير حاجة إلى أن يكثر رواة هذه الحديث حتى يبلغ حد التوتر. ولم يرد في الجامع الصحيح للامام البخاري حديث في شأن المهدي، وانما ورد في صحيح مسلم حديث لم يصرح فيه باسمه، وحمله بعضهم على أن المراد منه المهدي، أو المشار فيها إلى بعض صفاته. أما بقية كتب الحديث
[ 365 ]
فرواها الامام أحمد بن حنبل، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة، والطبراني، وأبو نعيم، وابن أبي شيبه، وأبو يعلى، والدار قطني، والبيهقي، ونعيم بن حماد، وغيرهم. وجمعت هذه الاحاديث في رسائل مستقلة، مثل " العرف الوردي في حقيقة المهدي " للملا علي القاري، و " التوضيح في تواتر ما جاء في المنتظر والدجال والمسيح " للشوكاني. وأول من اتجه إلى نقد أحاديث المهدي فيما عرفنا أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون " ". ثم اعترف ابن خلدون بأن بعض الاحاديث خالص من النقد. ونحن نقول متى ثبت حديث واحد من هذه الاحاديث وسلم من النقد كفى في العلم بما تضمنه من ظهور رجل في آخر الزمان يسوس الناس بالشرع ويحكم بالعدل ". ".. والصحابة الذين رويت من طرقهم أحاديث المهدي نحو (27) صحابيا رضي الله عنهم.. والواقع أن أحاديث المهدي بعد تنقيتها من الموضوع والضعيف القريب منه، فإن الباقي منها لايستطيع العالم الباحث على بصيرة أن يصرف نظره عنه.. وقد صرح الشوكاني في رسالته المشار إليها آنفا بأن هذه الاحاديث بلغت مبلغ التواتر، قال " والاحاديث التي أمكن الوقوف عليها، منها خمسون فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر، وهي متواترة بلا شك. بل يصدق وصف التواتر على ما دونها، على جميع الاصطلاحات المحررة في الاصول ". يقول بعض المنكرين لاحاديث المهدي جملة: ان هذه الاحاديث من وضع الشيعة لا محالة. ويرد بأن هذه الاحاديث مروية بأسانيدها، وقد تقصينا رجال سندها فوجدناهم ممن عرفوا بالعدالة والضبط، ولم يتهمهم أحد من رجال التعديل والجرح بتشيع، مع شهرة نقدهم للرجال " ".. وقد اتخذ مسألة المهدي كثير من القائمين لانشاء دول وسيلة إلى الوصول إلى
[ 366 ]
غاياتهم، فادعوا المهدوية ليتهافت الناس على الالتفاف حولهم. فالدولة الفاطمية قامت على هذه الدعوة، إذ زعم مؤسسها عبيد الله أنه المهدي. ودولة الموحدين جرت على هذه الدعوة، فإن مؤسسها محمد بن تومرت أقام أمره على هذه الدعوة. وظهر في أيام الدولة المرينية بفاس رجل يدعى التوزدي واجتمع حوله رؤساء صنهاجة، وقتل المصامتة. وقام رجل اسمه العباس سنة 690 ه‍. في نواحي الريف من المغرب وزعم أنه المهدي، واتبعته جماعة، وآل أمره إلى أنه قتل وانقطعت دعوته. وبعد ثورة عرابي بمصر ظهر رجل في السودان يسمى محمد أحمد، ادعى أنه المهدي واتبعه قبيلة بقارة من جهينة على أنه المهدي سنة 1300 ه‍. وهو الذي خلفه بعد موته التعايشي أحد زعماء البقارة. ".. وإذا أساء الناس فهم حديث نبوي، أو لم يحسنوا تطبيقه على وجهه الصحيح حتى وقعت جراء ذلك مفاسد، فلا ينبغي أن يكون ذلك داعيا للشك في صحة الحديث أو المبادرة إلى إنكاره، فإن النبوة حقيقة واقعة بلا شبهة، وقد ادعاها أناس كذبا وافتراء وأضلوا بدعواهم كثيرا من الناس، مثل ما يفعله طائفة القاديانية اليوم. والالوهية ثابتة بأوضح من الشمس في كبد السماء، وقد ادعاها قوم لزعمائهم على معنى أنه - جل شأنه - يحل فيهم، مثلها يفعل طائفة البهائية في هذا العهد. فليس من الصواب انكار الحق من أجل ما ألصق به من باطل ". المصدر ج 2 ص 210 - 214. الشيخ ناصر الدين الالباني قال في مقال في مجلة (التمدن الاسلامي) من مقالة بعنوان (حول المهدي):
[ 367 ]
" وأما مسألة المهدي فليعلم أن في خروجه أحاديث كثيرة صحيحة، قسم كبير منها له أسانيد صحيحة. وأنا مورد هنا أمثلة منها، ثم معقب ذلك بدفع شبهة الذين طعنوا فيها " ثم ذكر أمثلة منها ومن آراء العلماء بتواترها، ثم قال: " هذا ثم إن السيد رشيد (رضا) أو غيره لم يتتبعوا ما ورد في المهدي من الاحاديث حديثا حديثا، ولا توسعوا في طلب مالكل حديث منها من الاسانيد. ولو فعلوا لوجدوا منها ما تقوم به الحجة، حتى في الامور الغيبية التي يزعم البعض أنها لا تثبت إلا بحديث متواتر. ومما يدلك على أن السيد رشيد رحمه الله ادعى أن أسانيد لا تخلو عن شيعي، مع أن الامر ليس كذلك على اطلاقه، فالاحاديث الاربعة التي ذكرتها ليس فيها رجل معروف بالتشيع. على أنه لو صحت هذه الدعوى لم يقدح ذلك في صحة الاحاديث، لان العبرة في الصحة إنما هو الصدق والضبط، وأما الخلاف المذهبي فلا يشترط في ذلك كما هو مقرر في مصطلح علم الحديث. ولهذا روى الشيخان في صحيحيهما لكثير من الشيعة وغيرهم من الفرق المخالفة، واحتجا بأحاديث هذا النوع. وقد أعلها السيد بعلة أخرى وهي التعارض، وهذه علة مدفوعة لان التعارض شرطه التساوي في قوة الثبوت، وأما نصب التعارض بين قوي وضعيف فمما لا يسوغه عاقل منصف. والتعارض المزعوم من هذا القبيل. ".. وخلاصة القول أن عقيدة خروج المهدي عقيدة ثابتة متواترة عنه صلى الله عليه وآله يجب الايمان بها لانها من أمور الغيب، والايمان بها من صفات المتقين كما قال تعالى " آلم. ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين. الذين يؤمنون بالغيب " وأن انكارها لا يصدر إلا عن جاهل أو مكابر. أسأل الله أن يتوفانا على الايمان بها، وبكل ما صح في الكتاب والسنة " المصدر ج 2 ص 288 - 391.
[ 368 ]
الكتاني المالكي قال في كتابه " نظم المتناثر من الحديث المتواتر) بعد أن عدد عشرين من الصحابة الذين رويت عنهم أحاديث المهدي: " وقد نقل غير واحد عن الحافظ السخاوي أنها متواترة. والسخاوي ذكر ذلك في " فتح المغيث " ونقله عن أبي الحسين الابري، وقد تقدم نقله في أول هذه الرسالة. وفي تأليف لابي العلاء إدريس الحسيني العراقي في المهدي هذا: إن أحاديثه متواترة أو كادت، قال: وجزم بالاول غير واحد من الحفاظ النقاد ا. ه‍. وفي شرح الرسالة للشيخ جوس ما نصه " ورد خبر المهدي في أحاديث السخاوي وأنها وصلت إلى حد التواتر. ا. ه‍. وفي شرح المواهب نقلا عن أبي الحسين الابري في مناقب الشافعي قال: تواترت الاخبار أن المهدي من هذه الامة وأن عيسى يصلي خلفه. ذكر ذلك ردا لحديث ابن ماجة " لا مهدي الا عيسى " ا. ه‍. وفي " مغاني الوفا بمعاني الاكتفا " قال الشيخ أبو الحسين الابري: قد تواترت الاخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى صلى الله عليه وآله بمجئ المهدي وأنه سيملك سبع سنين، وأنه يملا الارض عدلا ا. ه‍. وفي شرح عقيدة الشيخ محمد بن أحمد السفاريني الحنبلي ما نصه: وقد كثرت بخروجه الروايات حتى بلغت حد التواتر المعنوي، وشاع ذلك بين علماء السنة حتى عد من معتقداتهم. ثم ذكر بعض الاحاديث الواردة فيه عن جماعة من الصحابة، وقال بعدها: وقد روي عمن ذكر من الصحابة وغير من ذكر منهم روايات متعددة، وعن التابعين من بعدهم مما يفيد مجموعه العلم
[ 369 ]
القطعي. فالايمان بخروج المهدي واجب، كما هو مقرر عند أهل العلم ومدون في عقائد أهل السنة والجماعة ا. ه‍. " المصدر ج 2 ص 194 - 195. العدوي المصري قال في كتاب مشارق الانوار: " وجاء في بعض الروايات أنه ينادي عند ظهوره فوق رأسه ملك " هذا المهدي خليفة الله فاتبعوه " فيقبل عليه الناس ويشربون حبه، وأنه يملك الارض شرقها وغربها، وأن الذين يبايعونه أولا بين الركن والمقام بعدد أهل بدر ثم تأتيه أبدال الشام ونجباء مصر وعصائب أهل الشرق وأشباههم. ويبعث الله جيشا من خراسان برايات سود نصرة له، ثم يتوجه إلى الشام، وفي رواية إلى الكوفة، والجمع ممكن. وأن الله تعالى يؤيده بثلاثة آلاف من الملائكة، وأن أهل الكهف من أعوانه. قال الاستاذ السيوطي: وحينئذ فسر تأخيرهم إلى هذه المدة اكرامهم بشرفهم بدخولهم في هذه الامة، واعانتهم للخليفة الحق. وأن على مقدمة جيشه جبريل، وميكائيل على ساقته " المصدر ج 2 ص 62. سعد الدين الفتتازاني قال في شرح المقاصد: " خاتمة. مما يلحق بباب الامامة خروج المهدي ونزول عيسى صلى الله عليه وآله وهما من أشراط الساعة. وقد وردت في هذا الباب أخبار صحاح وان كانت آحادا ". ".. وعنه رضي الله عنه - أي أبي سعيد الخدري - قال " ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله بلاء يصيب هذه الامة حتى لا يجد الرجل ملجأ يلجأ إليه من الظلم،
[ 370 ]
فيبعث الله رجلا من عترتي فيملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا " فذهب العلماء إلى أنه امام عادل من ولد فاطمة رضي الله عنها يخلقه الله حين يشاء ويبعثه لنصرة دينه. وزعمت الشيعة الامامية أنه محمد بن الحسن العسكري اختفى عن الناس خوفا من الاعداء ولا استحالة في طول عمره كنوح ولقمان والخضر . وأنكر ذلك سائر الفرق لانه ادعاء أمر يستبعد جدا، إذ لم يعهد في هذه الامة مثل هذه الاعمار من غير دليل ولا امارة.. " المصدر ج 1 ص 214. القرماني الدمشقي قال في كتابه أخبار الدول وآثار الاول: " واتفق العلماء على أن المهدي هو القائم في آخر الوقت، وقد تعاضدت الاخبار على ظهوره، وتظاهرت الروايات على إشراق نوره. وستسفر ظلمة الليالي والايام بسفوره، وتنجلي برؤيته الظلم، انجلاء الصبح عن ديجوره، ويسير عدله في الافاق فيكون أضوء من البدر المنير في مسيره " المصدر ج 1 ص 463. محي الدين بن عربي قال في كتابه الفتوحات المكية " إعلم أيدنا الله أن لله خليفة يخرج وقد امتلات الارض جورا وظلما فيملؤها قسطا وعدلا، ولو لم يبق من الدنيا الا يوم واحد طول الله ذلك اليوم حتى يلي ذلك الخليفة من عترة رسول الله صلى الله عليه وآله من ولد فاطمة يواطي اسمه اسم رسول الله صلى الله عليه وآله. ".. يشهد الملحمة العظمى مأدبة الله بمرج عكا، يبيد الظلم وأهله،
[ 371 ]
يقيم الدين فينفخ الروح في الاسلام. يعز الاسلام به بعد ذلة، ويحيا بعد موته. يضع الجزية، ويدعو إلى الله بالسيف، فمن أبى قتل، ومن نازعه خذل. يظهر من الدين ما هو عليه في نفسه ما لو كان رسول الله صلى الله عليه وآله لحكم به. يرفع المذاهب من الارض فلا يبقى الا الدين الخالص. أعداؤه مقلدة الفقهاء أهل الاجتهاد، لما يرونه من الحكم بخلاف ما حكمت به أئمتهم، فيدخلون كرها تحت حكمه خوفا من سيفه وسطوته، ورغبة فيما لديه. يفرح به عامة المسلمين أكثر من خواصهم، ويبايعه العارفون من أهل الحقائق عن شهود وكشف بتعريف إلهي. له رجال إلهيون يقيمون دولته وينصرونه، هم الوزراء، يحملون أثقال المملكة، ويعينونه على ما قلده الله. ".. فشهداؤه خير الشهداء، وأمناؤه أفضل الامناء، وان الله يستوز له طائفة خبأهم له في مكنون غيبه، أطلعهم كشفا وشهودا على الحقائق، وما هو أمر الله عليه في عباده. فبمشاورتهم يفصل ما يفصل، وهم العارفون الذين عرفوا ما ثم. وأما هو نفسه فصاحب سيف حق وسياسة مدنية. يعرف من الله قدر ما تحتاج إليه مرتبته ومنزله، لانه خليفة مسدد، يفهم منطق الحيوان، يسري عدله في الانس والجان، من أسرار علم وزرائه الذين استوزرهم الله له لقوله " وكان حقا علينا نصر المؤمنين " وهم على أقدام (و) رجال من الصحابة، صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وهم من الاعاجم ما فيهم عربي، لكن لا يتكلمون الا بالعربية. لهم حافظ ليس من جنسهم، ما عصى الله قط، هو أخص الوزراء وأفضل الامناء، المصدر ج 1 ص 106 - 107
[ 372 ]
الشريف البرزنجي قال في كتابه الاشاعة في أشراط الساعة: " واعلم أن الاحاديث الواردة فيه على اختلاف رواياتها لاتكاد تنحصر، فقد قال محمد بن الحسن الدستوري في كتابه (مناقب الشافعي): قد تواترت الاخبار عن رسول الله صلى الله عليه وآله بذكر المهدي وأنه من أهل بيته صلى الله عليه وآله ا. ه‍. ".. جاء عن ابن سيرين أن المهدي خير من أبي بكر وعمر، قيل يا أبا بكر خير من أبي بكر وعمر ! ؟ قال: قد كان يفضل على بعض الانبياء. وعنه: لا يفضل عليه أبو بكر وعمر. قال السيوطي في " العرف الوردي " هذا إسناد صحيح، وهو أخف من اللفظ الاول. قال: والاوجه عندي تأويل اللفظين على ما دل عليه حديث " بل أجر خمسين منكم " لشدة الفتن في زمان المهدي. قلت: التحقيق أن جهات التفاضل مختلفة، ولا يجوز لنا التفضيل في فرد من الافراد على الاطلاق الا إذا فضله النبي صلى الله عليه وآله كذلك، فإنه قد يوجد في المفضول مزية من جهات أخر ليست في الفاضل. وتقدم من الشيخ في الفتوحات أنه معصوم في حكمه مقتف أثر النبي صلى الله عليه وآله لا يخطئ أبدا. ولا شك أن هذا لم يكن في الشيخين، وأن الامور التسعة التي مرت لم تجتمع كلها في إمام من أئمة الدين قبله. فمن هذه الجهات يجوز تفضيله عليهما، وان كان لهما فضل الصحبة، والمشاهدة والوحي والسابقة، وغير ذلك، والله أعلم. قال الشيخ علي القاري في " المشرب الوردي في مذهب المهدي " ومما يدل على أفضليته أن النبي صلى الله عليه وآله سماه " خليفة الله " وأبو بكر لا يقال له الا " خليفة رسول الله ". المصدر ج 1 ص 480 - 506.
[ 373 ]
مقطوعات شعرية في مدح الامام المهدى قصيدة للسيد الحميري رحمه الله يخاطب بها الامام جعفر الصادق ، بعد عدوله عن مذهب الكيسانية إلى مذهب التشيع. وقد كان الكيسانية يعتقدون أن المهدي الموعود هو محمد بن الامام علي ، الذي اشتهر بابن الحنفية لان أمة خولة رضي الله عنها من قبيلة بني حنيفة: أيا راكبا نحو المدينة جرة * عذا فرة يطوي بها كل سبسب إذا ما هذاك الله عاينت جعفرا * فقل لولي الله وابن المهذب ألا يا أمين الله وابن أمينه * أتوب إلى الرحمان ثم تأوبي إليك من الامر الذي كنت مطنبا * أحارب فيه جاهدا اكل معرب إليك رددت الامر غير مخالف * وفئت إلى الرحمان من كل مذهب سوى ما تراه يابن بنت محمد * فإن به عقدي وزلفى تقربي وما كان قولي في ابن خولة مبطنا * معاندة مني لنسل المطيب ولكن روينا عن وصي محمد * وما كان فيما قال بالمتكذب بأن ولي الامر يفقد لا يرى * ستيرا كفعل الخائف المترقب فتقسم أموال الفقيد كأنما * تغيبه بين الصفيح المنصب فيمكث حينا ثم ينبع نبعة * كنبعة جدي من الافق كوكب يسير بنصر الله من بيت ربه * على سؤدد منه وأمر مسبب يسير إلى أعدائه بلوائه * فيقتلهم قتلا كحران مغضب
[ 374 ]
فلما روي أن ابن خولة غائب * صرفنا إليه قولنا لم نكذب وقلنا هو المهدي والقائم الذي * يعيش به من عدله كل مجدب فإن قلت لا فالحق قولك والذي * أمرت فحتم غير ما متعصب وأشهد ربي أن قولك حجة * على الخلق طرا من مطيع ومذنب بأن ولي الامر والقائم الذي * تطلع نفسي نحوه بتطرب له غيبة لابد من أن يغيبها * فصلى عليه الله من متغيب فيمكث حينا ثم يظهر حينه * فيملا عدلا كل شرق ومغرب بذاك أدين الله سرا وجهرة * ولست وإن عوتبت فيه بمعتب (ديوان السيد الحميري ص 115) من تائية دعبل الخزاعي رحمه الله التي أنشدها بحضرة الامام الرضا بكيت لرسم الدار من عرفات * وأذريت دمع العين بالعبرات وفك عرى صبري وهاجت صبابتي * رسوم ديار أقفرت وعرات مدارس آيات خلت من تلاوة * ومنزل وحي مقفر العرصات لال رسول الله بالخيف من منى * وبالركن والتعريف والجمرات ديار علي والحسين وجعفر * وحمزة والسجاد ذي الثفنات ديار عفاها جور كل منابذ * ولم تعف للايام والسنوات فيا وارثي علم النبي، وآله * عليكم سلام دائم النفحات قفانسأل الدار التي خف أهلها * متى عهدها بالصوم والصلوات ؟ وأين الالى شطت بهم غربة النوى * أفانين في الافاق مفترقات ؟ هم أهل ميراث النبي إذا اعتزوا * وهم خير سادات وخير حماة مطاعيم في الاعسار، في كل مشهد * لقد شرفوا بالفضل والبركات وما الناس إلا حاسد ومكذب * ومضطغن ذو إحنة وترات
[ 375 ]
أفاطم لو خلت الحسين مجدلا * وقد مات عطشانا بشط فرات إذن للطمت الخد فاطم عنده * وأجريت دمع العين في الوجنات أفاطم قومي يابنة الخير واندبي * نجوم سماوات بأرض فلاة قبور بكوفان وأخرى بطيبة * وأخرى بفخ نالها صلواتي وقبر بأرض الجوزجان محله * وقبر ببا خمرا، لدى الغربات وقبر ببغداد لنفس زكية * تضمنها الرحمن في الغرفات فأما الممضات التي لست بالغا * مبالغها مني بكنه صفات نفوس لدى النهرين من أرض كربلا * معرسهم فيها بشط فرات توفوا عطاشا بالفرات، فليتني * توفيت فيهم قبل حين وفاتي إلى الله أشكو لوعة عند ذكرهم * سقتني بكأس الذل والفظعات ملامك في أهل النبي، فإنهم * أحباي، ما عاشوا وأهل ثقاتي تخيرتهم رشد الامري، فإنهم * على كل حال خيرة الخيرات نبذت إليهم بالمودة صادقا * وسلمت نفسي طائعا لولاتي فيارب زدني من يقيني بصيرة * وزد حبهم يا رب في حسناتي سأبكيهم ما حج لله راكب * وما ناح قمري على الشجرات بنفسي أنتم من كهول وفتية * لفك عناة أو لحمل ديات أحب قصي الرحم من أجل حبكم * وأهجر فيكم أسرتي وبناتي وأكتم حبيكم مخافة كاشح * عنيد لاهل الحق غير موات فياعين بكيهم، وجودي بعبرة * فقد آن للتسكاب والهملات لقد حفت الايام حولي بشرها * وإني لارجو الامن بعد وفاتي ألم ترأني من ثلاثين حجة * أروح وأغدو دائم الحسرات أرى فيئهم في غيرهم متقسما * وأيديهم من فيئهم صفرات بنات زياد في القصور مصونة * وآل رسول الله في الفلوات سأبكيهم ماذر في الارض شارق * ونادى منادي الخير بالصلوات وما طلعت شمس وحان غروبها * وبالليل أبكيهم وبالغدوات ديار رسول الله أصبحن بلقعا * وآل زياد تسكن الحجرات وآل رسول الله نجف جسومهم * وآل زياد غلظ القصرات
[ 376 ]
إذا وتروا مدوا إلى واتريهم * أكفا عن الاوتار منقبضات فلولا الذي أرجوه في اليوم أوغد * تقطع قلبي إثرهم حسرات خروج إمام لا محالة خارج * يقوم على اسم الله والبركات يميز فينا كل حق وباطل * ويجزي على النعماء والنقمات فيا نفس طيبي، ثم يا نفس أبشري * فغير بعيد كل ما هو آت ولا تجزعي من مدة الجور، إنني * أرى قوتي قد آذنت بشتات فإن قرب الرحمن من تلك مدتي * وأخر من عمري بطول حياتي شفيت، ولم أترك لنسي رزية * ورويت منهم منصلي وقناتي فإني من الرحمن أرجو بحبهم * حياة لدى الفردوس غير بتات عسى الله أن يأوي لذا الخلق إنه * إلى كل قوم دائم اللحظات (ديوان دعبل الخزاعي ص 135) رباعيات للشيخ البهائي العاملي المتوفى 1031 ه‍. يا كراما صبرنا عنهم محال * إن حالي من جفاكم شر حال إن أتى من حيكم ريح الشمال * صرت لا أدري يميني من شمال حبذا ريح سرى من ذي سلم * من ربى نجد وسلع والعلم أذهب الاحزان عنا والالم * والاماني أدركت والهم زال باأخلائي بحزوى والعقيق * ما يطيق الهجر قلبي ما يطيق هل لمشتاق إليكم من طريق * أم سددتم عنه أبواب الوصال لا تلوموني على فرط الضجر * ليس قلبي من حديد أو حجر فات مطلوبي ومحبوبي هجر * والحشا في كل آن في اشتعال
[ 377 ]
من رأي وجدي لسكان الحجون * قال ما هذا هوى هذا جنون أيها اللوام ماذا تبتغون * قلبي المضنى وعقلي ذو اعتقال يا نزولا بين جمع والصفا * ياكرام الحي يا أهل الوفا كان لي قلب حمول للجفا * ضاع مني بين هاتيك التلال يا رعاك الله يا ريح الصبا * إن تجز يوما على وادي قبا سل أهيل الحي في تلك الربا * هجرهم هذا دلال أم ملال جيرة في هجرنا قد أسرفوا * حالنا من بعدهم لا يوصف إن جفوا أو واصلوا أتلفوا * حبهم في القلب باق لا يزال هم كرام ما عليهم من مزيد * من يمت في حبهم يمضي شهيد مثل مقتول لدى المولى لحميد * أحمدي الخلق محمود الفعال صاحب العصر الامام المنتظر * من بما يأباه لا يجري القدر حجة الله على كل البشر * خير أهل الارض في كل الخصال من إليه الكون قد ألقى القياد * مجريا أحكامه فيما أراد إن تزل عن طوعه السبع الشداد * خرمنها كل سامي السمك عال شمس أوج المجد مصباح الظلام * صفوة الرحمن من بين الانام الامام بن الامام بن الامام * قطب أفلاك المعالي والكمال فاق أهل الارض في عزوجاه * وارتقى في المجد أعلى مرتقاه لو ملوك الارض حلوا في ذراه * كان أعلى صفهم صف النعال ذو اقتدار إن يشأ قلب الطباع * صير الاظلام طبعا للشعاع
[ 378 ]
وارتدى الامكان برد الامتناع * قدرة موهوبة من ذي الجلال يا أمين الله يا شمس الهدى * يا إمام الخلق يا بحر الندى عجلن عجل فقد طال المدى * واضمحل الدين استولى الضلال هاك يا مولى الورى نعم المجير * من مواليك البهائي الفقير مدحة يعنو لمعناها جرير * نظمها يزري على عقد الكلال ياولي الامر يا كهف الرجا * مسني الضر وأنت المرتجى والكريم المستجاب الملتجا غير محتاج إلى بسط السؤال قصيدة للشيخ البهائي العاملي ، وهي المسماة " وسيلة الفوز والامان في مدح صاحب الزمان " وقد شرحها الشيخ أحمد المنيني سنة 1151 ه‍. في سبعين صفحة إجابة لطلب قاضي القضاة بدمشق، وطبع شرحه في آخر " الكشكول " ومستقلا بمصر. سرى البرق من نجد فجدد تذكاري * عهودا بجزوى والعذيب وذي قار وهيج من أشواقنا كل كامن * وأجج في أحشائنا لاهب النار ألا يا لييلات الغوير وحاجر * سقيت بهام من بني المزن مدرار ويا جيرة بالمأزمين خيامهم * عليكم سلام الله من نازح الدار خليلي مالي والزمان كأنما يطالبني في كل آن بأوتار فأبعد أحبابي وأخلى مرابعي * وأبدلني من كل صفو بأكدار وعادل بي من كان أقصى مرامه * من المجد أن يسموا لى عشر معشاري ألم يدر أني لا أزال لخطبه * وأن سامني خسفا وأرخص أسعاري مقامي بفرق الفرقدين فما الذي * يؤثره مسعاه في خفض مقداري وأني امرؤلا يدرك الدهر غايتي * ولاتصل الايدي إلى سر أغواري أخالط أبناء الزمان بمقتضى * عقولهم كيلا يفوهوا بإنكاري وأظهر أني مثلهم تستفزني * صروف الليالي باحتلاء وإمرار
[ 379 ]
واني ضاوي القلب مستوفز النهى * أسر بيسر أو أساء بإعسار ويضجرني الخطب المهول لقاؤه * ويطربني الشادي بعود ومز ؟ ؟ وتصمي فؤادي ناهد الثدي كاعب * بأسمر خطارو أحور س ؟ ؟ وأني أسخى بالدموع لوقفة * على طلل بال ودارس أحجر وما علموا اني امرؤ لا يروعني * توالي الرزايا في عشي وإبكار إذا دك طود الصبر من وقع حادث * فطود اصطباري شامخ غير منهار وخطب يزيل الروع أيسر وقعه * كؤود كوخز بالاسنة شعار تلقيته والحتف دون لقائه * بقلب وقور في الهزاهز صبار ووجه طليق لا يمل لقاؤه * وصدر رحيب في ورود وإصدار ولم أبده كي لا يساء لوقعه * صديقي ويأسى من تعسره جاري ومعضلة دهماء لا يهتدى لها * طريق ولا يهدى إلى ضوئها الساري تشيب النواصي دون حل رموزها * ويحجم عن أغوارها كل مغوار أجلت جياد الفكر في حلباتها * ووجهت تلقاها صوائب أنظاري فأبرزت من مستورها كل غامض * وثقفت منها كل قسور سوار أأضرع للببلوى وأغضي على القذى * وأرضى بما يرضى به كل مخوار وأفرح من دهري بلذة ساعة * واقنع من عيشي بقرص وأطمار إذن لاورى زندي ولاعز جانبي * ولا بزغت في قمة المجد أقماري ولا بل كفي بالسماح ولاسرت * بطيب أحاديثي الركاب وأخباري ولا انتشرت في الخافقين فضائلي * ولا كان في المهدي رائق أشعاري خليفة رب العالمين وظله * على ساكن الغبراء من كل ديار هو العروة الوثقى الذي من بذيله * تمسك لا يخشى عظائم أوزار امام هدى لا ذالزمان بظله * وألقى إليه الدهر مقود خوار ومقتدر لو كلف الصم نطقها * بأجذارها فاهت إليه بأجذار علوم الورى في جنب أبحر علمه * كغرفة كف أو كغمسة منقار فلو زار أفلاطون أعتاب قدسه * ولم يعشه عنها سواطع أنوار رأى حكمة قدسية لا يشوبها * شوائب أنظار وأدناس أفكار بإشراقها كل العوالم أشرقت * لما لاح في الكونين من نورها الساري
[ 380 ]
إمام الورى طود النهى منبع الهدى * وصاحب سر الله في هذه الدار به العالم السفلي يسمو ويعتلي * على العالم العلوي من دون إنكار ومنه العقول العشر تبغي كما لها * وليس عليها في التعلم من عار همام لو السبع الطباق تطابقت * على نقض ما يقضيه من حكمه الجاري لنكس من ابراجها كل شامخ * وسكن من افلاكها كل دوار ولا انتشرت منها الثوابت خيفة * وعاف السرى من سورها كل سيار أيا حجة الله الذي ليس جاريا * بغير الذي يرضاه سابق أقدار ويا من مقاليد الزمان بكفه وناهيك من مجد به خصه الباري أغث حوزة الايمان واعمر ربوعه * فلم يبق فيها غير دارس آثار وأنقذ كتاب الله من يد عصبة * عصوا وتمادوا في عتو وإصرار وأنعش قلوبا في انتظارك قرحت * وأضجرها الاعداء أية إضجار وخلص عباد الله من كل غاشم * وطهر بلاد الله من كل كفار وعجل فداك العالمون بأسرهم * وبادر على اسم الله من غير إنظار تجد من جنود الله خير كتائب * وأكرم أعوان وأشرف أنصار بهم من بني همدان أخلص فتية * يخوضون أغمار الوغى غير فكار بكل شديد البأس عبل شمر دل * إلى الحتف مقدام على الهول مصبار تحاذره الابطال في كل موقف * وترهبه الفرسان في كل مضمار أيا صفوة الرحمن دونك مدحة * كدر عقود في ترايب أبكار يهنا ابن هاني إن أتى بنظيرها * ويعنولها الطائي من بعد بشار اليك البهائي الحقير يزفها * كغانية مياسة القد معطار تغار إذا قيست لطافة نظمها بنفحة أزهار ونسمة أسحار إذا رددت زادت قبولا كأنها * أحاديث نجد لا تمل بتكرار وقد يستشكل على بعض المعاني التي وردت في القصيدة بأنها تنافي التوحيد أو تصل إلى الغلو أعاذنا الله، فلابد أن يكون مقصوده منها ما ينسجم ويخضع لاصول عقائدنا الاسلامية في التوحيد والنبوة، التي لا خلاف بين مذاهب المسلمين فيها، والتي يحرص أهل البيت على
[ 381 ]
سلامتها وصفائها. من قصيدتين للمرحوم السيد حيدر الحلي مات التصبر في انتظا * رك أيها المحيي الشريعه فانهض فما أبقى التحمل * غير أحشاء جزوعه قد مزقت ثوب الاسى * وشكت لواصلها القطيعة فالسيف إن به شفاء * قلوب شيعتك الوجيعه فسواه منهم ليس ينعش * هذه النفس الصريعه طالت حبال عواتق * فمتى تكون به قطيعه كم ذا القعود ودينكم * هدمت قواعده الرفيعه تنعى الفروع أصوله * وأصوله تنعى فروعه فيه تحكم من أباح * اليوم حوزته المنيعة فاشحذ شبا عضب له * الارواح مذعنة مطيعه إن يدعها خفت لدعو * ته وإن ثقلت سريعه واطلب به بدم القتيل * بكربلا في خير شيعه ماذا يهيجك إن صبرت * لوقعة الطف الفضيعه أترى تجئ فجيعة * بأمض من تلك الفجيعه حيث الحسين على الثرى * خيل العدى طحنت ضلوعه قتلته آل أمية * ظام إلى جنب الشريعه ورضيعه بدم الوريد * مخضب فاطلب رضيعه يا غيرة الله اهتفى * بحمية الدين المنيعة وضبا انتقامك جردي * لطلا ذوي البغي التليعه ودعي جنود الله تملا * هذه الارض الوسيعة (من " رياض المديح والرثاء " ص 32)
[ 382 ]
من حامل لولي الله مألكة * تطوى على نفثات كلها ضرم يا بن الاولى يقعدون إن نهضت * بهم لدى الروع في وجه الضبا الهمم الخيل عندك ملتها مرابطها * والبيض منها عرا أغمادها السأم هذي الخدور لها الاعداء هاتكة * وذي الجباه ألا مشحوذة تسم لا تطهر الارض من رجس العدى أبدا * ما لم يسل فوقها سيل الدم العرم أعيذ سيفك أن تصدى حديدته * ولم تكن فيه تجلى هذه الغمم قد آن أن يمطر الدنيا وساكنها * دما أغر عليه النقع مرتكم وإن أعجب شئ أن أبثكها * كأن قلبك خال وهو محتدم لاصبر أو تضع الهيجاء ما حملت * بطلقة معها ماء المخاض دم لاصبر أو تضع اليهجاء ما حملت * بطلقة معها ماء المخاض دم هذا المحرم قد وافتك صارخة مما استحلوا به أيامه الحرم يملان سمعك من أصوات ناعية * في مسمع الدهر من إعوالها صمم تنعى اليك دماء غاب ناصرها * حتى أريقت ولم يرفع لكم علم مسفوحة لم تجب عند استغاثتها * إلا بأدمع ثكلى شفها الالم حنت وبين يديها فتية شربت * من نحرها نصب عينيها الضبا الخذم موسدين على الرمضاء تنظرهم * حرى القلوب على ورد الردى ازدحموا سقيا لثاوين لم تبلل مضاجعهم * إلا الدماء وإلا الادمع السجم أفناهم صبرهم تحت الضبا كرما * حتى مضوا ورداهم ملؤه كرم وخائضين غمار الموت طافحة * أمواجها البيض في الهامات تلتطم مشو إلى الحرب مشي الضاريات لها * فصارعوا الموت فيها والقنا أجم ولا غضاضة يوم الطف ان قتلوا * صبرا بهيجاء لم تثبت لها قدم فالحرب تعلم إن ماتوا بها فلقد * ماتت بها منهم الاسياف لا الهمم أبكيهم لعوادي الخيل إن ركبت * رؤسها لم يكفكف عزمها اللجم وللسيوف إذا الموت الزؤام غدا * في حدها هو والارواح يختصم قومي الاولى عقدت قدما مئازرهم * على الحمية ما ضيموا ولا اهتظموا عهدي بهم قصر الاعمار شبأنهم * لا يهرمون وللهيابة الهرم ما بالهم لاعفت منهم رسومهم * قروا وقد حملتنا الانيق الرسم يا غاديا بمطايا العزم حملها * هما تضيق به الاضلاع والحزم
[ 383 ]
عرج على الحي من عمرو العلى فأرح * منهم بحيث اطمأن البأس والكرم وحي منهم خماة ليس بابنهم * من لا يرف عليه في الوغى العلم المشبعين قرى طير السما ولهم * بمنعة الجار فيهم يشهد الحرم والهاشمين وكل الناس قد علموا * بأن للضيف أو للسيف ما هشموا قف منهم موقفا تغلو القلوب به * من فورة العتب واسأل ما الذي بهم جفت عزائم فهر أم ترى بردت * منها الحمية أم قد ماتت الشيم أم لم تجد لذع عتبي في حشاشتها * فقد تساقط جمرا من فمي الكلم (من " رياض المدح والرثاء " ص 55) من قصيدة للسيد رضا الهندي فيا مغذا على وجناء مرتعها * قطع الفجاج ولمع الال ما ترد حب في المسير هداك الله كل فلا * عن الهدى فيه حتى للقطار صد حتى يبوؤك الترحال ناحية * تحل من كرب اللاجي بها العقد وروضة أنجم الخضراء قد حسدت * حصباءها وعليها يحمد الحسد وأرض قدس من الاملاك طاف بها * طوائف كلما مروا بها سجدوا فأرخص الدمع من عينين قد غلتا * على لهيب جوى في القلب يتقد وقل ولم تدع الاشجان منك سوى * قلب الفريسة إذ ينتاشها الاسد يا صاحب العصر أدركنا فليس لنا * ورد هنئ ولا عيش لنا رغد طالت علينا ليالي الانتظار فهل * يابن الزكي لليل الانتظار غد فاكحل بطلعتك الغرا لنا مقلا * يكاد يأتي على إنسانها الرمد ها نحن مرمى لنبل النائبات وهل * يغني اصطبار وهى من درعه الزرد كم ذا يؤلف شمل الظالمين لكم * وشملكم بيدي أعدائكم بدد فانهض فدتك بقايا أنفس ظفرت * بها النوائب لما خانها الجلد هب أن جندك معدود فجدك قد * لاقى بسبعين جيشا ماله عدد (من " رياض المدح والرثاء " ص 91)
[ 384 ]
قصيدتان ونختم هذه المقطوعات بأبيات مختارة من قصيدتين للكميت بن زيد الاسدي المتوفى سنة 126 ه‍. وهما من قصائد " الهاشميات " الذائعة الصيت، التي يمدح فيها أهل البيت ، ويعرض بأبناء عبد الملك بن مروان الامويين، حكام عصره. طربت وما شوقا إلى البيض أطرب طربت وما شوقا إلى البيض أطرب * ولا لعبا مني وذو الشوق يلعب ولم يلهني دار ولا رسم منزل ولم يتطربني بنان مخضب ولا أنا ممن يزجر الطير همه * أصاح غراب أم تعرض ثعلب ولا السانحات البارحات عشية * أمر سليم القرن أم مر أعضب ولكن إلى أهل الفضائل والنهى * وخير بني حواء والخير يطلب إلى النفر البيض الذين بحبهم * إلى الله فيما نالني أتقرب بني هاشم رهط النبي فإنني * بهم ولهم أرضى مرارا وأغضب خفضت لهم مني جناحي مودة * إلى كنف عطفاه أهل ومرحب وكنت لهم من هؤلاك وهؤلا * مجنا على أني أذم وأقصب وأرمى وأرمى بالعداوة أهلها * وإني لاوذى فيهم وأونب فما ساءني قول امرئ ذي عداوة * بعوراء فيهم يجتديني فأجذب فقل للذي في ظل عمياء جونة * ترى الجور عدلا أين لا أين تذهب بأي كتاب أم بأية سنة * ترى حبهم عارا علي وتحسب فمالي إلا آل أحمد شيعة * ومالي إلا مشعب الحق مشعب ومن غيرهم أرضى لنفسي شيعة * ومن بعدهم لامن أجل وأرجب إليكم ذوي آل النبي تطلعت * نوازع من قلبي ظماء وألبب فإني عن الامر الذي تكرهونه * بقولي وفعلي ما استطعت لاجنب
[ 385 ]
بخاتمكم غصبا تجوزا أمورهم * فلم أرغصبا مثله يتغصب وجدنا لكم في آل حاميم آية * تأولها منا تقي ومعرب وفي غيرها آيا وآياتتا بعت * لكم نصب فيها لذي الشك منصب بحقكم أمست قريش تقودنا * وبالفذ منها والرديفين نركب إذا اتضعونا كارهين لبيعة * أناخوا لاخرى والازمة تجذب ردافا علينا لم يسيموا رعية * وهمهموا أن يمتروها فيحلبوا لينتتجوها فتنة بعد فتنة * فيفتصلوا أفلاءها ثم يركبوا أقاربنا الادنون منكم لعلة * وساستنا منهم ضباع وأذؤب لنا قائد منهم عنيف وسائق * يقحمنا تلك الجراثيم متعب وقالوا ورثناها أبانا وأمنا * وما ورثتهم ذاك أم ولا أب يرون لهم حقا على الناس واجبا * سفاها وحق الهاشميين أوجب ولكن مواريث ابن آمنة الذي * به دان شرقي لكم ومغرب فدى لك موروثا أبي وأبو أبي * ونفسي ونفسي بعد بالناس أطيب بك اجتمعت أنسابنا بعد فرقة * فنحن بنو الاسلام ندعى وننسب حياتك كانت مجدنا وسناءنا * وموتك جذع للعرانين مرعب وأنت أمين الله في الناس كلهم * ونعتب لو كنا على الحق نعتب فبوركت مولودا وبوركت ناشيا * وبوركت عند الشيب إذ أنت أشيب وبورك قبر أنت فيه وبوركت * به وله أهل لذلك يثرب لقد غيبوا برا وصدقا ونائلا * عشية واراك الصفيح المنصب يقولون لم يورث ولولا تراثه * لقد شركت فيه بكيل وأرحب وعك ولخم والسكون وحمير * وكندة الحيان بكر وتغلب ولا نتشلت عضوين منها يحابر * وكان لعبد القيس عضو مؤرب ولا نتقلت من خندف في سواهم * ولاقتدحت قيس بها ثم أثقبوا ألم ترني من حب آل محمد * أروح وأغدوا خائفا أترقب كأني جان محدث وكأنما * بهم اتقي من خشية العار أجرب على أي جرم أم بأية سيرة * أعنف في تقريظهم وأونب أناس بهم عزت قريش فأصبحوا * وفيهم خباء المكرمات المطنب
[ 386 ]
مصفون في الاحساب محضون نجرهم * هم المحض منا والصريح المهذب خضمون أشراف لها ميم سادة * مطاعيم أيسار إذا الناس أجدبوا إذا نشأت منهم بأرض سحابة * فلا النبت محظور ولا البرق خلب وإن هاج نبت العلم في الناس لم تزل * لهم تلعة خضراء منه ومذنب محاسن من دنيا ودين كأنما * بها حلقت بالامس عنقاء مغرب فنعم طبيب الداء من امر أمة * تواكلها ذو الطب والمتطبب ونعم ولي الامر بعد وليه * ومنتجع التقوى ونعم المؤدب ومن أكبر الاحداث كانت مصيبة * علينا قتيل الادعياء الملحب قتيل بجنب الطف من آل هاشم * فيالك لحما ليس عنه مذبب ومنعفر الخدين من آل هاشم * ألا حبذا ذاك الجبين المترب قتيل كأن الوله العفر حوله * يطفن به شم العرانين ربرب مضوا سلفا لابد أن مصيرنا * إليهم فغاد نحوهم متأوب كذاك المنايا لاوضيعا رأيتها * تخطى ولا ذا هيبة تتهيب وقد غادروا فينا مصابيح أنجما * لنا ثقة أيان نخشى ونرهب فيا ساسة هاتوا لنا من حديثكم ألا هل عم في رأيه متأمل * وهل مدبر بعد الاساءة مقبل وهل أمة مستيقظون لرشدهم * فيكشف عنه النعسة المتزمل فقد طال هذا الذم واستخرج الكرى * مساويهم لو كان ذا الميل يعدل وعطلت الاحكام حتى كأننا * على ملة غير التي نتنحل كلام النبيين الهداة كلامنا * وأفعال أهل الجاهلية نفعل رضينا بدنيا لا نريد فراقها * على أننا فيها نموت ونقتل ونحن بها مستمسكون كأنها * لنا جنة مما نخاف ومعقل أرانا على حب الحياة وطولها * يجد بنا في كل يوم ونهزل نعالج مرمقا من العيش فانيا * له حارك لا يحمل العب ء أجزل فتلك امور الناس أضحت كأنها * أمور مضيع آثر النوم بهل
[ 387 ]
فيا ساسة هاتوا النامن حديثكم * ففيكم لعمري ذو أفانين مقول أأهل كتاب نحن فيه وانتم * على الحق نقضي بالكتاب ونعدل فكيف ومن أنى وإذ نحن خلفة * فريقان شتى تسمنون ونهزل أنصلح دنيانا جميعا وديننا * على ما به ضاع السوام المؤبل فتلك ملوك السوء قد طال ملكهم * فحتى م حتى م العناء المطول رضوا بفعال السوء من أمر دينهم * فقد أيتموا طورا عداء وأثكلوا تحل دماء المسلمين لديهم * ويحرم طلع النخلة المتهدل وليس لنا في الفئ حظ لديهم * وليس لنا في رحلة الناس أرحل فيا رب هل إلا بك النصر يرتجى * عليهم وهل إلا عليك المعول وغاب نبي الله عنهم وفقده * على الناس رزء ما هناك مجلل فلم ار مخذولا أجل مصيبة * وأوجب منه نصرة حين يخذل يصيب به الرامون عن قوس غيرهم * فيا آخرا أسدى له الغي أول ألا يفزع الاقوام مما أظلهم * ولما تجبهم ذات ودقين ضئبل إلى مفزع لن ينجي الناس من عمى * ولا فتنة إلا إليه التحول إلى الهاشميين البهاليل إنهم * لخائفنا الراجي ملاذ وموئل إلى أي عدل أم لاية سيرة * سواهم يؤم الظاعن المترحل وفيهم نجوم الناس والمهتدى بهم * إذا الليل أمسى وهو بالناس أليل إذا استح